فهرس الكتاب

الصفحة 159 من 246

إن المجتمع الرباني المسلم لا يحتقر المادة، لا في صورة"النظرية"باعتبار المادة هي التي تؤلف كيان هذا الكون الذي نعيش فيه، ولا في صورة"الإنتاج المادي"والاستمتاع به، فالإنتاج المادي من مقومات خلافة الإنسان في الأرض بعهد الله وشرطه، والاستمتاع بالطيبات منها حلال يدعو الإسلام إليه ـ كما سنرى في سياق هذه السورة ـ ولكنه لا يعتبرها هي القيمة العليا التي تهدر في سبيلها خصائص"الإنسان"ومقوماته، كما تعتبرها المجتمعات الجاهلية .. الملحدة أو المشركة.

وحين تكون القيم"الإنسانية"والأخلاق"الإنسانية"كما هي في ميزان الله هي السائدة في مجتمع، فإن هذا المجتمع يكون متحضرا متقدمًا .. أو بالاصطلاح الإسلامي .. ربانيًا مسلمًا .. والقيم"الإنسانية"والأخلاق الإنسانية"ليست مسألة غامضة ولا مائعة، وليست كذلك قيما وأخلاقا متغيرة لا تستقر على حال كما يزعم الذين يريدون أن يشيعوا الفوضى في الموازين، فلا يبقى هنالك أصل ثابت يرجع إليه في وزن ولا تقييم .. إنها القيم والأخلاق التي تنمي في بالإنسان"خصائص الإنسان"التي ينفرد بها دون الحيوان، وتُغلِّب هذا الجانب الذي يميزه ويجعل منه إنسانًا، وليست هي القيم والأخلاق التي تنمي فيه الجوانب المشتركة بينه وبين الحيوان .. وحين توضع المسألة هذا الوضع يبرز فيها خط فاصل وحاسم وثابت، لا يقبل عملية التمييع المستمرة التي يحاولها"التطوريون"عندئذ لا تكون هنالك أخلاق زراعية وأخرى صناعية، ولا أخلاق رأسمالية وأخرى اشتراكية، ولا أخلاق صعلوكية وأخرى برجوازية لا تكون هناك أخلاق من صنع البيئة ومن مستوى المعيشة على اعتبار أن هذه العوامل مستقلة في صنع القيم والأخلاق والاصطلاح عليها، وحتمية في نشأتها وتقريرها إنما تكون هناك فقط"قيم وأخلاق إنسانية"يصطلح عليها المسلمون في المجتمع المتحضر"وقيم وأخلاق حيوانية"إذا صح هذا التعبير يصطلح عليها الناس في المجتمع المتخلف .. أو بالاصطلاح الإسلامي تكون هناك قيم وأخلاق ربانية إسلامية، وقيم وأخلاق رجعية جاهلية."

إن المجتمعات التي تسود فيها القيم والأخلاق والنزعات الحيوانية، لا يمكن أن تكون مجتمعات متحضرة، مهما تبلغ من التقدم الصناعي والاقتصادي والعلمي، إن هذا المقياس لا يخطئ في قياس مدى التقدم في الإنسان ذاته.

وفي المجتمعات الجاهلية الحديثة ينحسر المفهوم الأخلاقي بحيث يتخلى عن كل ما له علاقة بالتميز الإنساني عن الحيوان، ففي هذا المجتمعات لا تعتبر العلاقات الجنسية غير الشرعية ـ ولا حتى العلاقات الجنسية الشاذة ـ رذيلة أخلاقية، إن المفهوم"الأخلاقي"ينحصر في المعاملات الشخصية والاقتصادية والسياسية ـ أحيانًا في حدود مصلحة الدولة، والكتاب والصحفيون والروائيون وكل أجهزة التوجيه والإعلام في هذه المجتمعات الجاهلية تقولها صريحة للفتيات والزوجات والفتيان والشبان: إن الاتصالات الجنسية الحرة ليست رذائل أخلاقية.

مثل هذه المجتمعات مجتمعات متخلفة غير متحضرة ـ من وجهة النظر"الإنسانية"وبمقياس التقدم الإنساني .. وهي كذلك غير إسلامية .. لأن خط الإسلام هو خط تحرير الإنسان من شهواته. وتنمية خصائصه الإنسانية، وتغلبها على نزعاته الحيوانية.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت