(4) الواقعية الحركية سمة قرآنية تتمثل بها الجماعة المسلمة. إن «فقه الحركة» هو الفقه المطلوب استنباطه من قبل الحركة الإسلامية الناشئة في مواجهة الجاهلية الشاملةِ. إن الحركة تواجه أحوالًا وملابسات وظروفا وأحداثا تستدعى استصحاب الحاجات والمقتضيات الواقعية العملية التي صاحبت نزول النص القرآني، من أجل إدراك وجهة النص وأبعاد مدلولاته في مواجهة الحياة المتحركة التي لا تكف عن الحركة، والتي تقتضى اجتهادا جديدًا لإنزال الأحكام النظرية على واقعها العملي الصحيح. فعلى الجماعة الالتزام بقاعدة العمل الأساسية «البلاغ» حتى تجيء مرحلة «الجهاد» في سياقها الطبيعي الذي يحقق مقاصد الجهاد بشروطه ومراحله وتكاليفه وغاياته في الإسلام، وحتى يأتي النصر من خلال قوانينه وسنته الربانية نصرا عزيزا غاليا.
سورة الحجر مكية وآياتها تسع وتسعون
بسم الله الرحمن الرحيم
هذه السورة مكية بجملتها، نزلت بعد سورة يوسف، في الفترة الحرجة، ما بين «عام الحزن» وعام الهجرة .. تلك الفترة التي تحدثنا عن طبيعتها وملابساتها ومعالمها من قبل في تقديم سورة يونس وفي تقديم سورة هود وفي تقديم سورة يوسف بما فيه الكفاية ..
وهذه السورة عليها طابع هذه الفترة، وحاجاتها ومقتضياتها الحركية .. إنها تواجه واقع تلك الفترة مواجهة حركية، وتوجه الرسول- صلى الله عليه وسلم- والجماعة المسلمة معه، توجيهًا واقعيا مباشرا وتجاهد المكذبين جهادا كبيرًا. كما هي طبيعة هذا القرآن ووظيفته.
ولما كانت حركة الدعوة في تلك الفترة تكاد تكون قد تجمدت، بسبب موقف قريش العنيد منها ومن النبي-صلى الله عليه وسلم- والعصبة المؤمنة معه، حيث اجترأت قريش على رسول الله- صلى الله عليه وسلم- بما لم تكن تجترئ عليه في حياة أبى طالب. واشتد استهزاؤها بدعوته، كما اشتد إيذاؤها لصحابته .. فقد جاء القرآن الكريم في هذه الفترة يهدد المشركين المكذبين ويتوعدهم، ويعرض عليهم مصارع المكذبين الغابرين ومصائرهم، ويكشف للرسول- صلى الله عليه وسلم- عن علة تكذيبهم وعنادهم، وهى لا تتعلق به ولا بالحق الذي معه، لكنها ترجع إلى العناد الذي لا تجدي معه الآيات البينات. ومن ثم يسلى الرسول- صلى الله عليه وسلم- ويواسيه، ويوجهه إلى الإصرار على الحق الذي معه، والصدع به بقوة في مواجهة الشرك وأهله، والصبر بعد ذلك على بطء الاستجابة ووحشة العزلة، وطول الطريق.
ومن هنا تلتقي هذه السورة في وجهتها وفي موضوعها وفي ملامحها مع بقية السور التي نزلت في تلك الفترة، وتواجه مثلها مقتضيات تلك الفترة وحاجاتها الحركية. أي الحاجات والمقتضيات الناشئة من حركة الجماعة المسلمة بعقيدتها الإسلامية في مواجهة الجاهلية العربية في تلك الفترة من الزمان بكل ملابساتها الواقعية، ومن ثم تواجه حاجات الحركة الإسلامية ومقتضياتها كلما تكررت هذه الفترة، وذلك كالذي تواجهه الحركة الإسلامية الآن في هذا الزمان.
ونحن نؤكد على هذه السمة في هذا القرآن، سمة الواقعية الحركية، لأنها في نظرنا مفتاح التعامل مع هذا الكتاب وفهمه وفقهه وإدراك مراميه وأهدافه.