فهرس الكتاب

الصفحة 183 من 246

وقبل أن يعرض السياق بقية دعاء نوح ـ عليه السلام ـ يعرض ما صار إليه الظالمون الخاطئون في الدنيا والآخرة جميعًا، فأمر الآخرة كأمر الدنيا حاضر بالقياس إلى علم الله، وبالقياس إلى الوقوع الثابت الذي لا تغيير فيه:

{مِمَّا خَطِيئَاتِهِمْ أُغْرِقُوا فَأُدْخِلُوا نَارًا فَلَمْ يَجِدُوا لَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْصَارًا}

فبخطيئاتهم وذنوبهم ومعصياتهم أغرقوا فأدخلوا نارًا، والتعقيب بالفاء مقصود هنا، لأن إدخالهم النار موصول بإغراقهم، والفاصل الزمني القصير كأنه غير موجود، لأنه في موازين الله لا يحسب شيئًا، فالترتيب مع التعقيب كائن بين إغراقهم في الأرض وإدخالهم النار يوم القيامة، وقد يكون هو عذاب القبر في الفترة القصيرة بين الدنيا والآخرة، {فلم يجدوا لهم من دون الله أنصارا} ..

لا بنون ولا مال ولا سلطان ولا أولياء من الآلهة المدعاة!

وفي آيتين اثنتين قصيرتين ينتهي أمر هؤلاء العصاة العتاة، ويطوي ذكرهم من الحياة، وذلك قبل أن يذكر السياق دعاء نوح عليهم بالهلاك والفناء، ولا يفصل هنا قصة غرقهم، ولا قصة الطوفان الذي أغرقهم، لأن الظل المراد إبقاؤه في هذا الموقف هو ظل الإجهاز السريع، حتى ليعبر المسافة بين الإغراق والإحراق في حرف الفاء، على طريقة القرآن في إيقاعاته التعبيرية والتصويرية المبدعة، فنقف نحن في ظلال السياق لا نتعداها إلى تفصيل قصة الإغراق .. ولا الإحراق ... ؟

ثم يكمل دعاء نوح الأخير، وابتهاله إلى ربه في نهاية المطاف.

{وَقَالَ نُوحٌ رَبِّ لَا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّارًا (26) إِنَّكَ إِنْ تَذَرْهُمْ يُضِلُّوا عِبَادَكَ وَلَا يَلِدُوا إِلَّا فَاجِرًا كَفَّارًا (27) رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِمَنْ دَخَلَ بَيْتِيَ مُؤْمِنًا وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَلَا تَزِدِ الظَّالِمِينَ إِلَّا تَبَارًا} ..

فقد ألهم قلب نوح أن الأرض تحتاج إلى غسل يطهر وجهها من الشر العارم الخالص الذي انتهى إليه القوم في زمانه، وأحيانًا لا يصلح أي علاج آخر غير تطهير وجه الأرض من الظالمين، لأن وجودهم يجمد الدعوة إلى الله نهائيًا، ويحول بينها وبين الوصول إلى قلوب الآخرين، وهي الحقيقة التي عبر عنها نوح، وهو يطلب الإجهاز على أولئك الظالمين إجهازا كاملًا لا يبقي منهم ديارا ـ أي صاحب ديار ـ فقال: {إنك إن تذرهم يضلوا عبادك} .. ولفظة {عبادك} توحي بأنهم المؤمنون، فهي تجئ، في السياق القرآني في مثل هذا الموضع بهذا المعني، وذلك بفتنتهم عن عقيدتهم بالقوة الغاشمة، أو بفتنة قلوبهم بما ترى من سلطان الظالمين وتركهم من الله في عافية؟

ثم إنهم يوجدون بيئة وجوا يولد فيها الكفار، وتوحي بالكفر من الناشئة الصغار، بما يطبعهم به الوسط الذي ينشئه الظالمون، فلا توجد فرصة لترى الناشئة النور، من خلال ما تغمرهم به البيئة الضالة التي صنعوها وهي الحقيقة التي أشار إليها قول النبي الكريم نوح عليه السلام، وحكاها عنه القرآن: «ولا يلدوا إلا فاجرا كفارا» .. فهم يطلقون في جو الجماعة أباطيل وأضاليل، وينشئون عادات وأوضاعا ونظما وتقاليد، ينشأ معها المواليد فجارا كفارا، كما قال نوح ...

من أجل هذا دعا نوح ـ عليه السلام ـ دعوته الماحقة الساحقة، ومن أجل هذا استجاب الله دعوته، فغسل وجه الأرض من ذلك الشر، وجرف العواثير التي لا تجرفها إلا قوة الجبار القدير.

وإلى جانب الدعوة الساحقة الماحقة التي جعلها خاتمة دعائه وهو يقول: {ولا تزد الظالمين إلا تبارا} ، أي هلاكا ودمارا ـ إلى جانب هذا كان الابتهال الخاشع الودود.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت