فهرس الكتاب

الصفحة 209 من 246

ترى هل تساوى هذا الجهد الذي وصفه نوح في هذه السورة وفي غيرها من سور القرآن، وقد استغرق عمرًا طويلًا بالغ الطول، لم يكتف قومه فيه بالإعراض، بل أتبعوه بالسخرية والاتهام، وهو يتلقاهما بالصبر والحسني، والأدب الجميل والبيان المنير.

ثم تلك الجهود الموصولة منذ ذلك التاريخ، وتلك التضحيات النبيلة التي لم تنقطع على مدار التاريخ، من رسل يستهزأ بهم، أو يحرقون بالنار، أو ينشرون بالمنشار، أو يهجرون الأهل والديار، حتى تجئ الرسالة الأخيرة، فيجهد فيها محمد صلى الله عليه وسلم ذلك الجهد المشهود المعروف، هو والمؤمنون معه، ثم تتوالى الجهود المضنية والتضحيات المذهلة من القائمين على دعوته في كل أرض وفي كل جيل؟؟

ترى تساوي الحصيلة كل هذه الجهود، وكل هذه التضحيات، وكل هذا الجهاد المرير الشاق؟ ثم، ترى هذه البشرية كلها تساوي تلك العناية الكريمة من الله، المتجلية في استقرار إرادته سبحانه على إرسال الرسل تترى بعد العناد والإعراض والإصرار والاستكبار، من هذا الخلق الهزيل الصغير المسمى بالإنسان؟.

والجواب بعد التدبر: أن نعم .. وبلا جدال ...

إن استقرار حقيقة الإيمان بالله في الأرض يساوي كل هذا الجهد، وكل هذا الصبر، وكل هذه المشقة، وكل هذه التضحيات النبيلة المطردة من الرسل وأتباعهم الصادقين في كل جيل.

ولعل استقرار هذه الحقيقة أكبر من وجود الإنساني ذاته، بل أكبر من الأرض وما عليها، بل أكبر من هذا الكون الهائل الذي لا تبلغ الأرض أن تكون فيه هباءة ضائعة لا تكاد تحس أو ترى.

وقد شاءت إرادة الله أن يخلق هذا الكائن الإنساني بخصائص معينة، تجعل استقرار هذه الحقيقة في ضميره وفي نظام حياته موكولا إلى الجهد الإنساني ذاته، بعون الله وتوفيقه، ولسنا نعلم لم خلق الله هذا الكائن بهذه الخصائص، ووكله إلى إدراكه وجهده وإرادته في تحقيق حقيقة الإيمان في ذاته وفي نظام حياته، ولم يجبله على الإيمان والطاعة لا يعرف غيرهما كالملائكة، أو يمحضه للشر والمعصية لا يعرف غيرهما كإبليس.

لسنا نعلم سر هذا، ولكننا نؤمن بأن هنالك حكمة تتعلق بنظام الوجود كله في خلق هذا الكائن بهذه الخصائص، وإذن فلا بد من جهد بشري لإقرار حقيقة الإيمان في عالم الإنسان، هذا الجهد اختار الله له صفوة من عباده هم الأنبياء والرسل، وثلة مختارة من أتباعهم هم المؤمنون الصادقون، اختارهم لإقرار هذه الحقيقة في الأرض، لأنها تساوي كل ما يبذلون فيها من جهود مضنية مريرة، وتضحيات شاقة نبيلة.

إن استقرار هذه الحقيقة في قلب معناه أن ينطوي هذا القلب على قبس من نور الله، وأن يكون مستودعا لسر من أسراره، وأن يكون أداة من أدوات قدره النافذ في هذا الوجود، وهذه حقيقة لا مجرد تصوير وتقريب، وهي حقيقة أكبر من الإنسان ذاته ومن أرضه وسمائه، ومن كل هذا الكون الكبير.

كما أن استقرار حقيقة الإيمان في حياة البشرـ أو جماعة منهم ـ معناه اتصال هذه الحياة الأرضية بالحياة الأبدية، وارتفاعها إلى المستوى الذي يؤهلها لهذا الاتصال، معناه اتصال الفناء بالبقاء والجزء بالكل والمحدود الناقص بالكمال المطلق .. وهي حصيلة تربى على كل جهد وكل تضحية ولو تحققت على الأرض يومًا أو بعض يوم في عمر البشرية الطويل، لأن تحققها ـ ولو في هذه الصورة ـ يرفع أمام البشرية في سائر أجيالها مشعل النور في صورة عملية واقعية، تجاهد لتبلغ إليها طوال الأجيال.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت