وهذه الدرجة. درجة دفع السيئة بالحسنة، والسماحة التي تستعلي على دفعات الغيظ والغضب، والتوازن الذي يعرف متى تكون السماحة ومتى يكون الدفع بالحسنى .. درجة عظيمة لا يلقاها كل إنسان. فهي في حاجة إلى الصبر. وهى كذلك حظ موهوب يتفضل به الله على عباده الذين يحاولون فيستحقون:
{وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ} ..
إنها درجة عالية إلى حد أن رسول الله- صلى الله عليه وسلم- وهو الذي لم يغضب لنفسه قط، وإذا غضب لله لم يقم لغضبه أحد، قيل له- وقيل لكل داعية في شخصه-:
{وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ} ..
فالغضب قد ينزغ، وقد يلقى في الروع قلة الصبر على الإساءة، أو ضيق الصدر عن السماحة، فالاستعاذة بالله من الشيطان الرجيم حينئذ وقاية، تدفع محاولاته لاستغلال الغضب والنفاذ من ثغرته. إن خالق هذا القلب البشري، الذي يعرف مداخله ومساربه، ويعرف طاقته واستعداده، ويعرف من أين يدخل الشيطان إليه، يحوط قلب الداعية إلى الله من نزغات الغضب. أو نزغات الشيطان. مما يلقاه في طريقه مما يثير غضب الحليم.
إنه طريق شاق. طريق السير في مسارب النفس ودروبها وأشواكها وشعابها، حتى يبلغ الداعية منها موضع التوجيه، ونقطة القياد ...