فهرس الكتاب

الصفحة 234 من 246

وهكذا يأخذ الإسلام هذا المخلوق البشري الضعيف في لحظات ضعفه .. فإنه يعلم أن فيه بجانب الضعف قوة، وبجانب الثقلة رفرفة، وبجانب النزوة الحيوانية أشواقا ربانية .. فهو يعطف عليه في لحظة الضعف ليأخذ بيده إلى مراقي الصعود، ويربت عليه في لحظة العثرة ليحلق به إلى الأفق من جديد، ما دام يذكر الله، ولا ينساه، ولا يصر على الخطيئة وهو يعلم أنها الخطيئة، والرسول صلى الله عليه وسلم يقول: «ما أصر من استغفر، وإن عاد في اليوم سبعين مرة» [1] .

والإسلام لا يدعو ـ بهذا ـ إلى الترخص، ولا يمجد العاثر الهابط، ولا يهتف له بجمال المستنقع، كما تهتف «الواقعية» إنما هو يقيل عثرة الضعف، ليستجيش في النفس الإنسانية الرجاء، كما يستجيش فيها الحياء، فالمغفرة من الله ـ ومن يغفر الذنوب إلا الله، تخجل ولا تطمع، وتثير الاستغفار ولا تثير الاستهتار، فأما الذين يستهترون ويصرون، فهم هنالك خارج الأسوار، موصدة في وجوههم الأسوار.

وهكذا يجمع الإسلام بين الهتاف للبشرية إلى الآفاق العلى، والرحمة بهذه البشرية التي يعلم طاقتها، ويفتح أمامها باب الرجاء أبدًا، ويأخذ بيدها إلى أقصى طاقتها [2]

هؤلاء المتقون ما لهم؟

{أُولَئِكَ جَزَاؤُهُمْ مَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَجَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ} ..

فهم ليسوا سلبيين بالاستغفار من المعصية، كما أنهم ليسوا سلبيين بالإنفاق في السراء والضراء، وكظم الغيظ والعفو عن الناس، إنما هم عاملون، {ونعم أجر العاملين} .. المغفرة من ربهم، والجنة تجري من تحتها الأنهار بعد المغفرة وحب الله .. فهنالك عمل في أغوار النفس، وهنالك عمل في ظاهر الحياة. وكلاهما عمل، وكلاهما حركة، وكلاهما نماء.

(1) رواه أبو داود والترمذي والبزار في مسنده من حديث عثمان بن واقد .. وفي سنده صحابي مجهول ولكن ابن كثير في تفسيره صححه. وقال: «حديث حسن» .

(2) يراجع بتوسع فصل: «سلام الضمير» في كتاب «السلام العالمي والإسلام» .. «دار الشروق» .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت