وهكذا دبر الله لمحمد صلى الله عليه وسلم وهو يعده لحمل الأمانة الكبرى، وتغيير وجه الأرض، وتعديل خط التاريخ .. دبر له هذه العزلة قبل تكليفه بالرسالة بثلاث سنوات، ينطلق في هذه العزلة شهرًا من الزمان، مع روح الوجود الطليقة، ويتدبر ما وراء الوجود من غيب مكنون، حتى يحين موعد التعامل مع هذا الغيب عندما يأذن الله.
فلما أن أذن، وشاء ـ سبحانه ـ أن يفيض من رحمته هذا الفيض على أهل الأرض، جاء جبريل عليه السلام إلى النبي صلى الله عليه وسلم وهو في غار حراء .. وكان ما قصه رسول الله صلى الله عليه وسلم من أمره معه فيما رواه ابن إسحاق عن وهب بن كيسان، عن عبيد، قال:
«فجاءني جبريل وأنا نائم بنمط من ديباج فيه كتاب فقال: اقرأ، قال: قلت: ما أقرأ (وفي الروايات: ما أنا بقارئ) قال: فغتني به (أي ضغطني) حتى ظننت أنه الموت، ثم أرسلني فقال: اقرأ. قلت: ما أقرأ: قال: فغتني حتى ظننت أنه الموت: ثم أرسلني فقال: اقرأ، قال: قلت: ما أقرأ؟ قال: فغتني حتى ظننت أنه الموت. ثم أرسلني فقال: اقرأ. قال: قلت: ماذا أقرأ؟ قال: ما أقول ذلك إلا افتداء منه أن يعود لي بمثل ما صنع بي، فقال: {اقْرَا بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ (1) خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ (2) اقْرَا وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ (3) الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ (4) عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ} .. قال: فقرأتها، ثم انتهى فانصرف عني، وهببت من نومي فكأنما كتبت في قلبي كتابًا، قال: فخرجت حتى إذا كنت في وسط من الجبل سمعت صوتًا من السماء يقول: يا محمد أنت رسول الله وأنا جبريل، قال: فرفعت رأسي إلى السماء أنظر، فإذا جبريل في صورة رجل، صاف قدميه في أفق السماء يقول: يا محمد أنت رسول الله وأنا جبريل، قال: فوقفت أنظر إليه، فما أتقدم وما أتأخر وجعلت أحول وجهي عنه في آفاق السماء. قال: فلا أنظر في ناحية منها إلا رأيته كذلك. فما زلت واقفًا ما أتقدم أمامي وما أرجع ورائي، حتى بعثت خديجة رسلها في طلبي، فبلغوا أعلى مكة، ورجعوا إليها وأنا واقف في مكاني ذلك، ثم انصرف عني وانصرفت راجعا إلى أهلي، حتى أتيت خديجة، فجلست إلى فخذها مضيفا إليها (أي ملتصقا بها مائلا إليها) فقالت: يا أبا القاسم أين كنت؟ فوالله لقد بعثت في طلبك حتى بلغوا مكة ورجعوا إلي، ثم حدثتها بالذي رأيت فقالت: «أبشر يا بن عم واثبت، فوالذي نفس خديجة بيده إني لأرجو أن تكون نبي هذه الأمة» .
ثم فتر الوحي مدة عن النبي صلى الله عليه وسلم إلى أن كان بالجبل مرة أخرى فنظر فإذا جبريل، فأدركته منه رجفة، حتى جثى وهوى إلى الأرض، وانطلق إلى أهله يرجف، يقول: «زملوني، دثروني» .. ففعلوا، وظل يرتجف مما به من الروع، وإذا جبريل يناديه: «يا أيها المزمل» .. (وقيل: يا أيها المدثر) والله أعلم أيتهما كانت.
وسواء صحت الرواية الأولى عن سبب نزول شطر السورة، أو صحت هذه الرواية الثانية عن سبب نزول مطلعها، فقد علم رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه لم يعد هناك نوم، وأن هنالك تكليفا ثقيلًا، وجهادا طويلًا، وأنه الصحو والكد والجهد منذ ذلك النداء الذي يلاحقه ولا يدعه ينام.
وقيل لرسول الله صلى الله عليه وسلم «قم» .. فقام، وظل قائمًا بعدها أكثر من عشرين عامًا، لم يسترح، ولم يسكن، ولم يعش لنفسه ولا لأهله، قام وظل قائمًا على دعوة الله، يحمل على عاتقه العبء الثقيل الباهظ ولا ينوء به، عبء الأمانة الكبرى في هذه الأرض، عبء البشرية كلها، وعبء العقيدة كلها، وعبء الكفاح والجهاد في ميادين شتى.