يستطيع غير المسلم أن يقول ما يشاء .. ولكن المسلم .. أو من يدعون الإسلام ما الذي يقولونه من هذا كله، ثم يبقون على شيء من الإسلام، أو يبقى لهم شيء من الإسلام؟ إنه مفرق الطريق الذي لا جدوى عنده من الاختيار؟ ولا فائدة في المماحكة عنده ولا الجدال .. إما إسلام وإما جاهلية، إما إيمان وإما كفر، إما حكم الله وإما حكم الجاهلية. والذين لا يحكمون بما أنزل الله هم الكافرون والظالمون والفاسقون، والذين لا يقبلون حكم الله من المحكومين ما هم بمؤمنين.
إن هذه القضية يجب أن تكون واضحة وحاسمة في ضمير المسلم، وألا يتردد في تطبيقها على واقع الناس في زمانه، والتسليم بمقتضى هذه الحقيقة، ونتيجة هذا التطبيق على الأعداء والأصدقاء! {أفحكم الجاهلية يبغون ومن أحسن من الله حكمًا لقوم يوقنون} ..
وما لم يحسم ضمير المسلم في هذه القضية، فلن يستقيم له ميزان؛ ولن يتضح له منهج، ولن يُفرق في ضميره بين الحق والباطل؛ ولن يخطو خطوة واحدة في الطريق الصحيح .. وإذا جاز أن تبقى هذه القضية غامضة أو مائعة في نفوس الجماهير من الناس؛ فما يجوز أن تبقى غامضة ولا مائعة في نفوس من يريدون أن يكونوا"المسلمين"وأن يحققوا لأنفسهم هذا الوصف العظيم ..
فأما حين يحكم الناس في الأرض بشريعة غير شريعة الله؛ فعلام يحاسبون في الآخرة؟ أيحاسبون وفق شريعة الأرض البشرية التي يُحكمون بها؛ ويتحاكمون إليها، أم يحاسبون وفق شريعة الله السماوية التي لم يكونوا يحكمون بها؛ ولا يتحاكمون إليها؟
إنه لا بد أن يستيقن الناس أن الله محاسبهم على أساس شريعته هو لا شريعة العباد، وأنهم إن لم ينظموا حياتهم، ويقيموا معاملاتهم - كما يقيمون شعائرهم وعباداتهم- وفق شريعة الله في الدنيا، فإن هذا سيكون أول ما يحاسبون عليه بين يدي الله وأنهم يومئذ سيحاسبون على أنهم لم يتخذوا الله - سبحانه - إلهًا في الأرض ولكنهم اتخذوا من دونه أربابًا متفرقة، وأنهم محاسبون إذن على الكفر بألوهية الله - أو الشرك به - بإتباعهم شريعته في جانب العبادات والشعائر، وإتباعهم شريعة غيره في النظام الاجتماعي والسياسي والاقتصادي، وفي المعاملات والارتباطات - والله لا يغفر أن يُشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء {إن الله لا يغفر أن يُشرك به ويغفر ما دون لك لمن يشاء} فهو وحده - سبحانه - يحكم وهو وحده يحاسب وهو لا يُبطئ في الحكم، ولا يُهمل في الجزاء: {ألا له الحكم وهو أسرع الحاسبين} ..