(3) كل طبيعة بشرية: يفسدها طول التعرض للذل والعبودية والخضوع للإرهاب والتعبد للطواغيت؛ ويبدو عليها أعراض الالتواء والاحتيال والسير مع القطيع تجنبًا للمشقة وهروبًا من تكاليف العقيدة. ومثل هذه الطبيعة تحتاج إلى أن تؤخذ بالعزم والجد لتحمل تكاليف الرسالة والخلافة؛ لكن دون خلط بين رفض الرخاوة والتميع والترخص - بل الجد والهمة والحسم والصراحة- وبين التشدد والتعنت والتعقيد والتقبض؛ فهذه صفات ومشاعر غير هذه تمامًا. فعلى الدعاة أن يدعوا الناس بالحكمة والموعظة الحسنة والجدال الحسن وأن لا يتعالوا عليهم؛ بل يتواضعوا لهم ويصبروا عليهم، لأن الدعوة في سبيل الله وليس لشخص الداعي؛ ولأن حرية الاعتقاد هي أول حقوق"الإنسان"؛ فلا إكراه في الدين؛ بل بيان وإقناع واقتناع.
{وَكَتَبْنَا لَهُ فِي الأَلْوَاحِ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ مَوْعِظَةً وَتَفْصِيلًا لِكُلِّ شَيْءٍ} ..
وتختلف الروايات والمفسرون في شأن هذه الألواح؛ ويصفها بعضهم أوصافًا مفصلة - نحسب أنها منقولة عن الإسرائيليات التي تسربت إلى التفسير- ولا نجد في هذا كله شيئًا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فنكتفي بالوقوف عند النص القرآني الصادق لا نتعداه. وما تزيد تلك الأوصاف شيئًا أو تنقص من حقيقة هذه الألواح. أما ما هي وكيف كتبت فلا يعنينا هذا في شيء بما أنه لم يرد عنها من النصوص الصحيحة شيء والمهم هو ما في هذه الألواح. إن فيها من كل شيء يختص بموضوع الرسالة وغايتها من بيان الله وشريعته والتوجيهات المطلوبة لإصلاح حال هذه الأمة وطبيعتها التي أفسدها الذل وطول الأمد سواء!
{فخذها بقوة وأمر قومك يأخذوا بأحسنها} ..
والأمر الإلهي الجليل لموسى - عليه السلام - أن يأخذ الألواح بقوة وعزم، وأن يأمر قومه أن يأخذوا بما فيها من التكاليف الشاقة بوصفه الأحسن لهم والأصلح لحالهم .. هذا الأمر على هذا النحو فضلًا على أنه يشي بضرورة هذا الأسلوب في أخذ هذه الطبيعة الإسرائيلية، التي أفسدها الذل وطول الأمد، بالعزم والجد، لتحمل تكاليف الرسالة والخلافة، فإنه - كذلك - يوحي بالمنهج الواجب في أخذ كل أمة لكل عقيدة تأتيها ..
إن العقيدة أمر هائل عند الله - سبحانه - وأمر هائل في حساب هذ الكون، وقدر الله الذي يصرفه. وأمر هائل في تاريخ"الإنسان"وحياته في هذه الأرض وفي الدار الآخرة كذلك .. والمنهج الذي تشرعه العقيدة في وحدانية الله - سبحانه - وعبودية البشر لربوبيته وحده، منهج يغير أسلوب الحياة البشرية بجملتها ويقيم هذه الحياة على أسلوب آخر غير الذي تجري عليه في الجاهلية، حيث تقوم ربوبية غير ربوبية الله سبحانه ذات منهج للحياة كلها غير منهج الله الذي ينبثق من تلك العقيدة.
وأمر له هذه الخطورة عند الله، وفي حساب الكون، وفي طبيعة الحياة وفي تاريخ"الإنسان".. يجب أن يؤخذ بقوة، وأن تكون له جديته في النفس، وصراحته وحسمه. ولا ينبغي أن يؤخذ في رخاوة، ولا في تميع، ولا في ترخص، ذلك أنه أمر هائل في ذاته، فضلًا على أن تكاليفه باهظة لا يصبر عليها من طبيعته الرخاوة والتميع والترخص، أو من يأخذ الأمر بمثل هذه المشاعر ..
وليس معنى هذا - بطبيعة الحال - هو التشدد والتعنت والتعقيد والتقبض! فهذا ليس من طبيعة دين الله ولكن معناه الجد والهمة والحسم والصراحة .. وهي صفات أخرى ومشاعر أخرى غير مشاعر التشدد والتعنت والتعقيد والتقبض!
ولقد كانت طبيعة بني إسرائيل - بصفة خاصة - بعدما أفسدها طول الذل والعبودية في مصر، تحتاج إلى هذا التوجيه. لذلك نلحظ أن كل الأوامر لبني إسرائيل كانت مصحوبة بمثل هذا التشديد وهذا التوكيد، تربية لهذه الطبيعة الرخوة الملتوية المنحرفة الخاوية، على الاستقامة والجد والوضوح والصراحة ..
ومثل طبيعة بني إسرائيل كل طبيعة تعرضت لمثل ما تعرضوا له من طول العبودية والذل، والخضوع للإرهاب والتعبد للطواغيت، فبدت عليها أعراض الالتواء والاحتيال، والأخذ بالأسهل تجنبًا للمشقة .. كما هو الملحوظ في واقع كثير من الجماعات البشرية التي نطالعها في زماننا هذا، والتي تهرب من العقيدة لتهرب من تكاليفها، وتسير مع القطيع؛ لأن السير مع القطيع لا يكلفها شيئًا!
وفي مقابل أخذ هذا الأمر بقوة يعد الله موسى وقومه أن يمكن لهم في الأرض، ويورثهم دار الفاسقين عن دينه.