فهرس الكتاب

الصفحة 76 من 246

وهذه القاعدة التي يقررها القرآن في مواضع متفرقة، قاعدة صحيحة تقوم على أسبابها من وعد الله، ومن سنة الحياة؛ كما أن الواقع العملي يشهد بتحققها على مدار القرون. والحديث في هذه القاعدة عن الأمم لا عن الأفراد. وما من أمة قام فيها شرع الله، واتجهت اتجاهًا حقيقيًا لله بالعمل الصالح والاستغفار المنبئ عن خشية الله .. ما من أمة اتقت الله وعبدته وأقامت شريعته، فحققت العدل والأمن للناس جميعًا، إلا فاضت فيها الخيرات، ومكن الله لها في الأرض واستخلفها فيها بالعمران وبالصلاح سواء.

ولقد نشهد في بعض الفترات أممًا لا تتقي الله ولا تقيم شريعته؛ وهي - مع هذا - موسع عليها في الرزق، ممكن لها في الأرض .. ولكن هذا إنما هو الابتلاء: {ونبلوكم بالشر والخير فتنة} ثم هو بعد ذلك رخاء مؤوف، تأكله آفات الاختلال الاجتماعي والانحدار الأخلاقي، أو الظلم والبغي وإهدار كرامة الإنسان .. وأمامنا الآن دولتان كبيرتان موسع عليهما في الرزق، ممكن لهما في الأرض. إحداهما رأسمالية والأخرى شيوعية وفي الأولى يهبط المستوى الأخلاقي إلى الدرك الأسفل من الحيوانية، ويهبط تصور الحياة إلى الدرك الأسفل كذلك فيقوم كله على الدولار!! وفي الثانية تهدر قيمة"الإنسان"إلى درجة دون الرقيق وتسود الجاسوسية ويعيش الناس في وجل دائم من المذابح المتوالية؛ ويبيت كل إنسان وهو لا يضمن أنه سيصبح ورأسه بين كتفيه لا يطيح في تهمة تحاك في الظلام! وليست هذه أو تلك حياة إنسانية توسم بالرخاء!

ونمضي مع نوح في جهاده النبيل الطويل. فنجده يأخذ بقومه إلى آيات الله في أنفسهم وفي الكون من حولهم، وهو يعجب من استهتارهم وسوء أدبهم مع الله، وينكر عليهم ذلك الاستهتار:

{مَا لَكُمْ لا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَارًا (13) وَقَدْ خَلَقَكُمْ أَطْوَارًا} ؟ ..

والأطوار التي يخاطب بها قوم نوح في ذلك الزمان لابد أن تكون أمرًا يدركونه، أو أن يكون أحد مدلولاتها مما يملك أولئك القوم في ذلك الزمان أن يدركوه، ليرجو من وراء تذكيرهم به أن يكون له في نفوسهم وقع مؤثر، يقودهم إلى الاستجابة. والذي عليه أكثر المفسرين أنه الأطوار الجنينية من النطفة إلى العلقة إلى المضغة إلى الهيكل إلى الخلق الكامل .. وهذا يمكن أن يدركه القوم إذا ذكر لهم. لأن الأجنة التي تسقط قبل اكتمالها في الأرحام يمكن أن تعطيهم فكرة عن هذه الأطوار. وهذا أحد مدلولات هذه الآية. ويمكن أن يكون مدلولها ما يقوله علم الأجنة، من أن الجنين في أول أمره يشبه حيوان الخلية الواحدة؛ ثم بعد فترة من الحمل يمثل الجنين شبه الحيوان المتعدد الخلايا. ثم يأخذ شكل حيوان مائي. ثم شكل حيوان ثديي. ثم شكل المخلوق الإنساني .. وهذا أبعد عن إدراك قوم نوح. فقد كشف هذا حديثًا جدًا. وقد يكون هذا هو مدلول قوله تعالى في موضع آخر بعد ذكر أطوار الجنين: {ثُمَّ أَنشَانَاهُ خَلْقًا آخَرَ فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ} [1] .. كما أن هذا النص وذاك قد تكون لهما مدلولات أخرى لم تتكشف للعلم بعد .. ولا نقيدهما ..

وعلى أية حال فقد وجه نوح قومه إلى النظر في أنفسهم، وأنكر عليهم أن يكون الله خلقهم أطوارًا، ثم هم بعد ذلك لا يستشعرون في أنفسهم توقيرًا للجليل الذي خلقهم .. وهذا أعجب وأنكر ما يقع من مخلوق! هم بعد ذلك لا يستشعرون في أنفسهم توقيرًا للجليل الذي خلقهم .. وهذا أعجب وأنكر ما يقع من مخلوق!

(1) سورة المؤمنون: آية 14.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت