فأجاب:(بأنه لا تجب الهجرة على هؤلاء المسلمين من وطنهم لقدرتهم على إظهار دينهم به، ولأنه صلى الله عليه وسلم بعث عثمان يوم الحديبية إلى مكة لقدرته على إظهار دينه بها، بل لا تجوز لهم الهجرة منه، لأنه يرجى بإقامتهم به إسلام غيرهم، ولأنه دار إسلام فلو هاجروا منه صار دار حرب، وفيما ذكر في السؤال من إظهارهم أحكام الشريعة المطهرة وعدم تعرض الكفار لهم بسببها على تطاول السنين الكثيرة ما يفيد الظن الغالب بأنهم آمنون منهم من إكراههم على الارتداد عن الإسلام أو على إجراء أحكام الكفر عليهم، {وَاللَّهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ مِنَ الْمُصْلِحِ} .
وأما خروج الرجل لحج الفرض بغير إذن أبويه؛ فلا حرج عليه فيه، إذ ليس لأبويه منعه من الحج الفرض - لا ابتداء ولا إتماما - كالصلاة والصوم، ويجوز له بعد أداء نسكه رجوعه إلى أبويه بالوطن المذكور، وحجه صحيح معتد به في إسقاط الفرض) .
وقد يستشهد لهم أيضًا بما ورد في"المغني"لابن قدامة، قال:(والثالث؛ من تستحب له ولا تجب عليه، وهو من يقدر عليها، لكنه يتمكن من إظهار دينه، وإقامته في دار الكفر، فتستحب له، ليتمكن من جهادهم، وتكثير المسلمين، ومعونتهم، ويتخلص من تكثير الكفار، ومخالطتهم، ورؤية المنكر بينهم. ولا تجب عليه؛ لإمكان إقامة واجب دينه بدون الهجرة.
وقد كان العباس عم النبي صلى الله عليه وسلم مقيما بمكة مع إسلامه. وروينا؛ أن نعيم النحام، حين أراد أن يهاجر، جاءه قومه بنو عدي، فقالوا له: أقم عندنا، وأنت على دينك، ونحن نمنعك ممن يريد أذاك، واكفنا ما كنت تكفينا، وكان يقوم بيتامى بني عدي، وأراملهم فتخلف عن الهجرة مدة، ثم هاجر بعد، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم:"قومك كانوا خيرا لك من قومي لي، قومي أخرجوني، وأرادوا قتلي، وقومك حفظوك ومنعوك"، فقال: يا رسول الله: بل قومك أخرجوك إلى طاعة الله، وجهاد عدوه، وقومي ثبطوني عن الهجرة وطاعة الله - أو نحو هذا القول -) [الإصابة في تمييز الصحابة] .
وهناك علة تكمن وراء هذا الرأي، وهي ما سطره ابن العربي في"أحكام القرآن"، قال: (وقد كنت قلت لشيخنا الإمام الزاهد أبي بكر الفهري: ارحل عن أرض مصر إلى بلادك؟ فيقول: لا أحب أن أدخل بلادًا غلب عليها كثرة الجهل وقلة العقل، فأقول له: فارتحل إلى مكة أقم في جوار الله وجوار رسوله، فقد علمت أن الخروج عن هذه الأرض فرض لما فيها من البدعة والحرام؟ فيقول: وعلى يدي فيها هدى كثير وإرشاد للخلق وتوحيد، وصد عن العقائد السيئة، ودعاء إلى الله عز وجل ... ) .
وقال الماوردي: (إذا قدر على إظهار الدين في بلد من بلاد الكفر فقد صارت البلد به دار إسلام، فالإقامة فيها أفضل من الرحلة عنها لما يترجى من دخول غيره في الإسلام [19] ... وغير ذلك من الأدلة، هذه أشهرها وأصحها وأبينها) .
[16] أخرجه البخاري 6/ 3 ومسلم 3/ 1487 من حديث عبدالله بن عباس رضي الله عنه.
[17] رواه مسلم عن عائشة رضي الله عنه في كتاب الجهاد والسير، باب تأمير الإمام الأمراء على البعوث، رقم 1731 و 1356 و 1357 و 1358.
[18] رواه مسلم كما مر معنا قبل قليل.
[19] قال الشوكاني في النيل: (ولا يخفى ما في هذا الرأي من المصادمة لأحاديث الباب القاضية بتحريم الإقامة في دار الكفر) .