الصفحة 7 من 25

رابعًا؛ حكم الهجرة من دار الكفر إلى دار الإسلام

لقد اختلف أهل العلم عليهم رحمة الله تعالى في مسألة أصل الهجرة، هل هي باقية؟ أم أنها نسخت؟ على قولين اثنين لا ثالث لهما، وهذا الخلاف ناتج عن تباين العلماء في فهم الأدلة وإدراك معانيها.

فالقول الأول: من يرى النسخ، وأن أصل الهجرة وحكمها قد انقطع؛

وهم جل علماء الحنفية.

فهذا الجصاص يقرر ذلك في كتابه"أحكام القرآن"، ويقول عند قوله تعالى: {فَلا تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ أَوْلِيَاءَ حَتَّى يُهَاجِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ} :(يعني والله أعلم؛ حتى يسلموا ويهاجروا، لأن الهجرة بعد الإسلام، وأنهم وإن أسلموا لم تكن بيننا وبينهم موالاة إلا بعد الهجرة، وهو كقوله تعالى: {مَا لَكُمْ مِنْ وَلَايَتِهِمْ مِنْ شَيْءٍ حَتَّى يُهَاجِرُوا} ، وهذا في حال ما كانت الهجرة فرضا، وقال النبي صلى الله عليه وسلم:"أنا بريء من كل مسلم أقام بين أظهر المشركين، وأنا بريء من كل مسلم أقام مع مشرك"، قيل: ولم يا رسول الله؟ قال:"لا تراءى ناراهما"، فكانت الهجرة فرضا إلى أن فتحت مكة فنسخ فرض الهجرة.

حدثنا محمد بن بكر قال: حدثنا أبو داود قال: حدثنا عثمان بن أبي شيبة قال: حدثنا جرير عن منصور عن مجاهد عن طاووس عن ابن عباس رضى الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم فتح مكة:"لا هجرة، ولكن جهاد ونية، وإذا استنفرتم فانفروا".

حدثنا محمد بن بكر قال: حدثنا أبو داود قال: حدثنا مؤمل بن الفضل قال: حدثنا الوليد عن الأوزاعي عن الزهري عن عطاء بن يزيد عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه: أن أعرابيا سأل النبي صلى الله عليه وسلم عن الهجرة؟ فقال:"ويحك إن شأن الهجرة شديد، فهل لك من إبل؟"، قال: نعم، قال:"فهل تؤدي صدقتها؟"، قال: نعم، قال:"فاعمل من وراء البحار، فإن الله لن يترك من عملك شيئا"، فأباح النبي صلى الله عليه وسلم ترك الهجرة.

وحدثنا محمد بن بكر قال: حدثنا أبو داود قال: حدثنا مسدد قال: حدثنا يحيى عن إسماعيل بن أبي خالد قال: حدثنا عامر قال:"أتى رجل عبد الله بن عمرو فقال: أخبرني بشيء سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ فقال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:"المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده، والمهاجر من هجر ما نهى الله عنه")."

وهذا أيضًا ابن عابدين، صاحب"رد المحتار على الدر المختار"، يقول: (وأما قول العتابي: أن من أسلم ولم يهاجر إلينا؛ لا يرث من المسلم الأصلي في دارنا، ولا المسلم الأصلي ممن أسلم ولم يهاجر إلينا، سواء كان في دار الحرب مستأمنا أو لم يكن، فمدفوع بقول بعض علمائنا: يخايل لي أن هذا كان في ابتداء الإسلام، حين كانت الهجرة فريضة، ألا ترى أن الله تعالى نفى الولاية بين من هاجر ومن لم يهاجر، فقال: {وَالَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يُهَاجِرُوا مَا لَكُمْ مِنْ وَلَايَتِهِمْ مِنْ شَيْءٍ حَتَّى يُهَاجِرُوا} ، فلما كانت الولاية بينهما منتفية كان الميراث منتفيا، لأن الميراث على الولاية، فأما اليوم؛ فينبغي أن يرث أحدهما من الآخر، لأن حكم الهجرة قد نسخ بقوله صلى الله عليه وسلم:"لا هجرة بعد الفتح" [4] ) اهـ

وقالوا في مواضع كثيرة غير المصدرين السابقين؛ قد انقطعت الهجرة، لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (لا هجرة بعد الفتح) ، وقال: (قد انقطعت الهجرة، ولكن جهاد ونية) ، وروي أن صفوان بن أمية لما أسلم، قيل له: لا دين لمن لم يهاجر، فأتى المدينة، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: (ما جاء بك أبا وهب؟) ، قال: قيل؛ إنه لا دين لمن لم يهاجر، قال: (ارجع أبا وهب إلى أباطح مكة، أقروا على مساكنكم، فقد انقطعت الهجرة، ولكن جهاد ونية) [5] .

والقول الثاني:

للجمهور وبعض من ند عن رأي الحنفية، مثل الحسن؛ حيث يرى أن حكم الآية ثابت في كل من أقام في دار الحرب، فرأى فرض الهجرة إلى دار الإسلام قائما، ونقل عنه ذلك الجصاص، وخالفه الرأي.

وممن يرى هذا الرأي على سبيل المثال لا الحصر؛ الخطابي والطيبي والنووي والحافظ بن حجر وابن قدامة وابن العربي وابن تيمية وتلميذه ابن القيم والشوكاني من بعدهم، ينقل عنهم ويرجح ذلك، وأئمة الدعوة السلفية بدءًا بالمجدد محمد بن عبد الوهاب ونهاية بالعلامة محمد بن ابراهيم [6] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت