القول الأول: القائلين بعدم وجوب الهجرة في مثل هذه الحالة، حيث عذرنا الله تعالى في ذلك، فيبقى الأمر على الاستحباب، وهذا المشهور من مذهب الحنفية ما عدا الحسن.
الأدلة:
الدليل الأول: قال الحنفية: لا تجب الهجرة من دار الحرب لخبر: (لا هجرة بعد الفتح ولكن جهاد ونية) [16] ، وفي رواية: (قد انقطعت الهجرة ولكن جهاد ونية) .
أما حديث: (ادعهم إلى التحول من دارهم إلى دار المهاجرين) [17] ، فمنسوخ بحديث: (لا هجرة بعد الفتح ولكن جهاد ونية) [متفق عليه] ، قالوا فإنه عام ناسخ لوجود الهجرة الدال عليه ما سبق، وبأنه صلى الله عليه وسلم لم يأمر من أسلم من العرب بالمهاجرة إليه، ولم ينكر عليهم مقامهم ببلدهم، ولأنه صلى الله عليه وسلم كان إذا بعث سرية قال لأميرهم: (إذا لقيت عدوك من المشركين فادعهم إلى ثلاث خلال فأيتهن أجابوك فاقبل منهم وكف عنهم، ثم ادعهم إلى التحول عن دارهم إلى دار المهاجرين، وأعلمهم أنهم إن فعلوا ذلك أن لهم ما للمهاجرين وعليهم ما على المهاجرين فإن أبوا واختاروا دارهم فأعلمهم؛ أنهم يكونون كأعراب المسلمين يجري عليهم حكم الله تعالى الذي يجري على المؤمنين ... الحديث) [18] ، فلم يوجب عليهم الهجرة.
الدليل الثاني: ما روا ه لنا سعيد بن منصور في سننه وأصله في الصحيحين، عن صفوان بن أمية رضي الله عنه لما أسلم، قيل له؛ لا دين لمن لم يهاجر، فأتى المدينة، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: (وما جاء بك أبا وهب؟) قال: قيل؛ إنه لا دين لمن لم يهاجر، قال: (ارجع أبا وهب إلى أباطح مكة، أقِرُّوا على مساكنكم، فقد انقطعت الهجر ولكن جهاد ونية) .
الدليل الثالث: قالوا أيضًا حديث أبي داود حدثنا أبو داود، عن أبي سعيد الخدري: (أن أعرابيًا سأل النبي صلى الله عليه وسلم عن الهجرة، فقال: ويحك إن شأن الهجرة شديد فهل لك من إبل؟ قال: نعم، قال: فهل تؤدي صدقتها؟ قال: نعم، قال: فاعمل من وراء البحار فإن الله لن يترك من عملك شيئا) ، ووجه الدلالة أن الرسول صلى الله عليه وسلم أباح ترك الهجرة.
الدليل الرابع: عند أبي داود أيضًا قال: (أتى رجل عبد الله بن عمرو رضى الله عنهما فقال: أخبرني بشيء سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ فقال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:"المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده، والمهاجر من هجر ما نهى الله عنه") ، فالهجرة ترك المعاصي والذنوب.
الدليل الخامس: قالوا: الأحاديث - غير حديث ابن عباس: (لا هجرة بعد الفتح) - والآمرة بالهجرة محمولة على من لا يأمن على دينه، قالوا: وفي هذا جمع بين الأحاديث.
ويرى بعض الشافعية؛ من يقدر على إظهار دينه في دار الحرب، ويقدر على الاعتزال في مكان خاص، والامتناع من الكفار، فهذا تحرم عليه الهجرة، لأن مكان اعتزاله صار دار إسلام بامتناعه، فيعود بهجرته إلى حوزة الكفار، وهو أمر لا يجوز لأن كل محل قدر أهله على الامتناع من الكفار صار دار إسلام.
ومما يمكن أن يستشهد به لهم ما ورد في فتاوى شهاب الدين الرملي الشافعي:"سئل"عن المسلمين الساكنين في وطن من الأوطان الأندلسية يسمى"أرغون"وهم تحت ذمة السلطان النصراني يأخذ منهم خراج الأرض بقدر ما يصيبونه فيها، ولم يتعد عليهم بظلم غير ذلك، لا في الأموال ولا في الأنفس، ولهم جوامع يصلون فيها ويصومون رمضان ويتصدقون ويفكون الأسارى من أيدي النصارى إذا حلوا بأيديهم، ويقيمون حدود الإسلام جهرا كما ينبغي، ويظهرون قواعد الشريعة عيانا كما يجب، ولا يتعرض لهم النصراني في شيء من أفعالهم الدينية، ويدعون في خطبهم لسلاطين المسلمين من غير تعيين شخص، ويطلبون من الله نصرهم وهلاك أعدائهم الكفار، وهم مع ذلك يخافون أن يكونوا عاصين بإقامتهم ببلاد الكفر، فهل تجب عليهم الهجرة وهم على هذه الحالة من إظهار الدين، نظرا إلى أنهم ليسوا على أمان أن يكلفوهم الارتداد - والعياذ بالله تعالى - أو على إجراء أحكامهم عليهم، أو لا تجب نظرا إلى ما هم فيه من الحال المذكور؟ ثم إن رجلا من الوطن المذكور جاء إلى أداء فريضة الحج من غير إذن أبويه مخافة أن يمنعاه منه فأداها، فهل حجه صحيح أو لا لإيقاعه بغير إذن أبويه وهل يجوز رجوعه إلى أبويه في الوطن المذكور؟