وبيان ذلك بالمثال التالي: فمثلًا لو أخذنا أحد البلدان العربية، الشعب كله مسلم، بل المساجد تغص بهم ويشهدون الجمع والجماعات، وصوت الأذان في كل وقت يملا الأجواء، ولكن الحكام يحكمون هذا الشعب بالقوانين الوضعية، المسماة زورًا وبهتانًا إسلامية، أو مستمدة من الإسلام كما يزعمون، المحاكم كذلك وضعية، ومناهج التعليم معلمنة وإعلان كره الكافرين والتبري منهم ومن دينهم جريمة يمنع النظام منها، والجهاد معطل، ويعاقب من يضبط أنه جاهد يومًا من الأيام، ومولاة للكافرين ونصرتهم على المسلمين و ... و ... و ... مما يعجز اللسان عن وصفه، ومما يزيد الطين بلة وضغثًا على إبالة؛ أن ويقوم ثلة وحثالة من علماء السلطة ينعقون صباح مساء، قائلين: إن هؤلاء ولاة أمر يجب طاعتهم والسير خلف ركابهم ومن لم يسر فسوف يموت ميتة جاهلية! هنا يأتي السؤال الكبير القائل؛ ما حكم هذه الديار التي هذا وصفها؟ وما حكم الهجرة من هذه الديار والحالة كذلك، إذا لم يستطع المسلم إظهار دينه في هذه الديار؟
والجواب: لا شك أن حكم هذه الدار ليست مسلمة، وإنما ديار كفر، أو دار مركبة كما قال ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية عن بلد ماردين، كما مر معنا قبل قليل، وإن كنت أميل إلى رأي شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله حيث إن هذه الدار حصلت في عهده فكان وضهعا وضع النوازل، فاجتهد رحمه الله في استحداث هذا الوصف لمثل هذه الدار، وعلى كلٍ فإن الخلاف لفظي لو ما نظرنا إلى حكم الهجرة من هذه الدار، إذ إن من يقول أنها دار كفر أو يقول إنها دار مركبة يتفقون على القول بوجوب الهجرة على من لم يستطع إظهار دينه، وما خالف في ذلك إلا نزر يسير من الحنفية كم سيأتي الآن في سادسًا.
[7] كما سيأتي معنا بعد قليل من كلام الشوكاني نقلًا عن ابن العربي نقلًا عن صاحب كتاب البحر الزخار. وفي الجامع المهذب قال: وأما في الحكم فوجوب الهجرة من دار الكفر ظني ولهذا اختلف العلماء في الوجوب وعدمه وأما دار الحرب فوجوب الهجرة عنها بالإجماع.
وقال الحنفية: لا تجب الهجرة من دار الحرب لخبر: {لا هجرة بعد الفتح ولكن جهاد ونية} ، أما حديث: {ادعهم إلى التحول من دارهم إلى دار المهاجرين} فمنسوخ بحديث: {لا هجرة بعد الفتح} ، وهو قول ضعيف فغالب أهل العلم إن لم يكن جميعهم على خلافه.
[8] وهذه الحالة من الحالات التي أجاز أهل العلم فيها سفر المرأة بلا محرم إن أمنت الطريق، وذلك لأهمية الهجرة وكونها فيصلًا بين الإيمان الصادق من عدمه.
[9] أخرجه الترمذي 4/ 155 من حديث جرير بن عبدالله، واسناده صحيح.
[10] أخرجه أحمد 1/ 192 من حديث عبدالله بن السعدي وقال الهيثمي رجاله ثقات.
[11] أخرجه البخاري 6/ 3 ومسلم 3/ 1487 من حديث عبدالله بن عباس رضي الله عنه.
[12] يقصد حديث {أنا بريء من كل مسلم يقيم بين المشركين} ، قال ابن حجر في البلوغ: (رواه الثلاثة وإسناده صحيح، ورجح البخاري إرساله) أهـ، ويقصد بالثلاثة: أبي داود، والترمذي، والنسائي. وقال الصنعاني في السبل: (ورجح أيضا أبوحاتم، وأبو داود، والترمذي، والدارقطني إرساله إلى قيس بن أبي حازم، ورواه الطبراني موصولا) .
[13] يشير إلى حديث الإمام مسلم عن عائشة في كتاب الجهاد والسير، باب تأمير الإمام الأمراء على البعوث، رقم 1731 و 1356و 1357 و 1358.
[14] يقصد البحر الزخار الجامع لمذاهب علماء الأمصار، وهوكتاب في فروع الفقه الزيدي لأحمد المرتضي، ويقع في 6 مجلدات.
[15] فرقة من فرق الشيعة تنتسب إلى محمد بن الهادي وكانت واسعة الانتشار في اليمن زمن الصنعاني صاحب السبل رحمه الله، لذا كان كثير الاستشهاد بآرائها الفقهية لانتشارها.