لذا قال الشافعي في"الأم"، و"أحكام القرآن": (فعذر الله عز وجل من لم يقدر على الهجرة من المفتونين، فقال: {مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْأِيمَانِ وَلَكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِنَ اللَّهِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ} ، وبعث إليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ أن الله عز وجل جعل لكم مخرجا ... وأبان الله عز وجل عذر المستضعفين، فقال: {إِلَّا الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ لا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلا يَهْتَدُونَ سَبِيلًا ... الآية} ) ، قال: (ويقال: {عسى} من الله؛ واجبة، ودلت سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم على أن فرض الهجرة على من أطاقها، إنما هو على من فتن عن دينه، بالبلدة التي يسلم بها، لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم أذن لقوم بمكة أن يقيموا بها، بعد إسلامهم، منهم العباس بن عبد المطلب، وغيره إذ لم يخافوا الفتنة، وكان يأمر جيوشه أن يقولوا لمن أسلم؛ إن هاجرتم فلكم ما للمهاجرين وإن أقمتم فأنتم كأعراب المسلمين، وليس يخيرهم) .
وقال ابن تيمية في"الفتاوى" [ج 18] : (فإن هذه الهجرة كانت مشروعة لما كانت مكة وغيرها دار كفر وحرب وكان الإيمان بالمدينة، فكانت الهجرة من دار الكفر إلى دار الإسلام واجبه لمن قدر عليها) .
ونصوص العلماء في هذا كثيرة جدًا ومشهورة شهرة تغني عن ذكرها.
نخلص من هذه الحالة؛ أن الهجرة لا تجب فيها، ولكن يجب أن يبقى المؤمن في حالة تأهب، وتحفز، واستعداد للتخلص من البقاء في هذه الدار، ويتحين فرصة للهرب، والنجاة بدينه، ولا يغفل عن ذلك طرفة عين.
الحالة الثالثة: أن يستطيع إظهار دينه في دار الكفر، ولا يمكنه الهجرة إن أراد؛
وهذه لا تختلف عن الحالة الثانية إلا في مسالة إظهار الدين فهنا يمكنه إظهار دينه وهناك لا يمكنه فإن قلنا في الحال الثانية لا تجب عليه الهجرة ويجوز له البقاء إلى أن يجعل الله له مخرجا، فمن باب أولى في هذه الحالة. ولكن ينبغي في كلى الحالين أن يتحين وينتهز الفرصة ويحاول ويبذل جهده ويستفرغ وسعه في الهروب والهجرة من هذه الدار.
الحالة الربعة: أن يستطيع إظهار دينه في دار الكفر، ويمكنه الهجرة إن أراد؛
وهنا مربط الفرس، بل الصيد كل الصيد في جوف الفرى، حيث اختلف أهل العلم في ذلك، فمنهم من لا يرى الهجرة، بل حرمها بعض الشافعية - كما سيأتي معنا - خصوصًا إن كان يستطيع أن يعبد الله ويدع الناس إلى الإسلام، ومن أهل العلم من رأى وجوب الهجرة ومن لم يفعل فهو آثم.
وقبل الدخول في أدلة الفريقين وقبل الترجيح ينبغي أن يعرف؛ أن الهجرة تكون على عدة أحوال، فمن دار الكفر إلى دار الإسلام، ومن بلد البدعة إلى بلد السنة، ومن بلد الفسق إلى بلد الصلاح، ومن بلد غالبها أحكامها الإسلام إلى بلد كل أحكامها الإسلام، ويختلف حكم الهجرة باختلاف الأحوال السالفة.
والحال التي أريد الحديث عنها، وذكر الخلاف فيها والأدلة ثم الترجيح، ليست الهجرة المستحبة أو المندوبة، التي تكون من بلد بدعة إلى ما ليس فيه بدعة، أو من بلد فسق وعصيان إلى بلد ليست كذلك، وإنما من دار كفر إلى دار إسلام، وبمعنى أوضح من بلد أهلها مسلمون والحكم فيها مرتد، ولي أن أقول: بلد أهلها مسلمون وغالب الأحكام الظاهرة التي يحكمون فيها؛ الإسلام، والكفر بواح عند طلبة العلم ومن في حكمهم، لكن يجهله الناس من تلبيس العلماء وغيرهم ومن الجهل في دين الله تعالى.