إن المتأمل للقولين يجد أن أدلة القول الثاني صحيحة صريحة، ولا تحتاج إلى تأويل في دلالتها، لذا فإني أقول: الراجح هو القول الثاني، حيث إن أقوى ما استدل به المخالف هو قول الرسول صلى الله عليه وسلم: (لا هجرة بعد الفتح) ، وأن هذا الحديث ناسخ لحكم الهجرة، وكذا قوله لصفوان: (إن الهجرة قد انقطعت) [21] .
وهذا لا يعني نسخ حكم الهجرة، إذ معناه كما قال ابن العربي: (ولا هجرة من مكة بعد فتحها، لصيرورة مكة دار إسلام إلى يوم القيامة فأراد بها لا هجرة بعد الفتح من بلد قد فتح، وقوله لصفوان:"إن الهجرة قد انقطعت"، يعني من مكة، لأن الهجرة الخروج من بلد الكفار، فإذا فتح لم يبق بلد الكفار، فلا تبقى منه هجرة، وهكذا كل بلد فتح لا يبقى منه هجرة وإنما الهجرة إليه) أهـ.
وأما قول الرسول صلى الله عليه وسلم: (المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده، والمهاجر من هجر ما نهى الله عنه) ، فالهجرة ترك المعاصي والذنوب، مثل ما قالوا، وهذا المعنى لا ينفي هجرة البدن، ولا تعارض بينهما، بل من لوازم هجرة البدن، هجرة المعاصي ومن لوازم ترك الهجرة، والجلوس في بلد الكفر، البقاء مع المعاصي جنبًا إلى جنب وإن لم يفعلها، فالحق أن يقال؛ الهجرة هجرتان، هجرة معنوية، وهجرة حسية وكلاهما مطلوب، والثانية متضمنة للأولى ولاشك.
والقاعدة تقول:"إعمال الدليلين أولى من إهمال أحدهما"، ولا يصار إلى النسخ أبدًا، إلا إذا تعذر الجمع بين الدليلين، لأن النسخ إبطال حكم وإلغائه وإهمال دلالته، وهنا يقع الحرج حيث يرد حكم شرعي بلا مبرر، وتخلى ذمة قد شغلت بحكمه إن لم يكن النسخ ثابت.
وهذا الذي رجحته هو اختيار أئمة الدعوة السلفية قاطبة والمطالع للدر السنية، والرسائل والمسائل النجدية، ومجموعة مؤلفات الشيخ محمد بن عبد الوهاب، علم ذلك علم اليقين، حتى شدد الشيخ عبد الرحمن بن حسن وقال: (ذكر ابن حجر عن صاحب"المعتمد": أن الهجرة كما تجب من بلاد الكفر، تجب من بلاد الإسلام إذا أظهر المسلم بها واجبًا، ولم يقبل منه، ولا قدر على إظهاره) .
ثم أضاف الشيخ عبد الرحمن بن حسن وقال: (وكذلك يجب على كل من كان ببلد يعمل فيها بالمعاصي، ولا يمكنه تغييرها، الهجرة إلى حيث تتهيأ له العبادة، لقوله تعالى: {فَلا تَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرَى مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ} ... ) إلى آخر ما قال في [الدرر السنية: ج 8 ص291، ط5] .
مع هذا الرجحان للقول الثاني، إلا أنه يجب على المسلم أن يعلم ما المقصود بإظهار الدين، لذا أفردت له مبحثا مستقلًا مختصرا ...
[21] حديث صفوان صلى الله عليه وسلم مضى ذكره في سنن سعيد بن منصور.