الصفحة 20 من 25

عاشرًا؛ أسس على طريق الهجرة

أولًا:

ينبغي للمهاجر احتساب الأجر في الهجر وإخلاص النية لله تعالى، وأنه هاجر نصرة لدينه وفرارًا به من الفتن لا أنه سيجد مراغمًا في الأرض وسعة، لأن المقصود ليس الرزق فحسب.

حيث ينقل لنا ابن كثير في تفسير لسورة النساء عند قوله تعالى: {وَمَنْ يُهَاجِرْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يَجِدْ فِي الْأَرْضِ مُرَاغَمًا كَثِيرًا وَسَعَةً} ، يقول: (قال قتادة رحمه الله في تفسير الآية: إي والله، من الضلالة إلى الهدى، ومن القلة إلى الغنى) [23] أهـ

إذًا الآية تعالج مخاوف النفس المتنوعة والمتوقعة وهي تواجه خطر الهجرة، فلا يمنيها الأماني العذبة دون أن تنال المتاعب في سبيل الدعوة، لهذا كانت تتمة الآية {وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهَاجِرًا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا} ، إذًا هناك موت متوقع أيضًا.

قال الشيخ عبد الرحمن بن حسن في"الدرر السنية": (وإن كان الغالب على أهل الهجرة السلامة والعز والتمكين والنصر، كما جرى لرسول الله رضي الله عنه وأتباعه سلفًا وخلفًا، وبها يحصل الجهاد ولا شك، وتعلو كلمة الله ويعمل في الأرض بطاعة الله ومصالح الهجرة في الدنيا أكثر من أن تحصر، كما قال تعالى: {وَالَّذِينَ هَاجَرُوا فِي اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مَا ظُلِمُوا لَنُبَوِّئَنَّهُمْ فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَلَأَجْرُ الْآخِرَةِ أَكْبَرُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ} ) أهـ بتصرف يسير.

لذا وجب التنبيه لكي لا يحصل مثلما حصل لكثير من المسلمين، عندما دعوا في الجزائر أو المغرب من قبل إخوانهم على درب الجهاد للهجرة، ووعدوا بالمراغم وسعة الرزق والعيش، فلما لم يجدوا ذلك، بل وجدوا ضيقًا أشد من الضيق الذي كانوا قد فروا منه؛ لاكت ألسنتهم ألفاظًا يخشى عليهم من مغبتها، حيث تشعر بسوء ظنهم بالله تعالى الله عن سوء الظن وغيره من النقائص علوًا كبيرًا.

ثانيًا:

أن يتحقق من مسألة دار الكفر، ودار الحرب، وهنا لا ينبغي أن نوجب الهجرة على المسلمين في الدار التي لم يتبين حالها - المركبة - كبلد ماردين - إلا إذا لم يستطع المرء إظهار دينه فيها -

حيث سئل شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله عنها، فقال عندما سئل عن بلد ماردين هل هي بلد حرب أم بلد سلم؟ وهل يجب على المسلم المقيم بها الهجرة إلى بلاد الإسلام أم لا؟ وإذا وجبت عليه الهجرة ولم يهاجر وساعد أعداء المسلمين بنفسه أو ماله، هل يأثم في ذلك؟ وهل يأثم من رماه بالنفاق وسبه به أم لا؟

الجواب:(الحمد لله.

دماء المسلمين وأموالهم محرمة حيث كانوا، في ماردين أو غيرها، وإعانة الخارجين عن شريعة دين الإسلام محرمة، سواء كانوا أهل ماردين أو غيرهم، والمقيم بها إن كان عاجزا عن إقامة دينه وجبت الهجرة عليه، وإلا استحبت ولم تجب، ومساعدتهم لعدو المسلمين بالأنفس والأموال محرمة عليهم، ويجب عليهم الامتناع من ذلك بأي طريق أمكنهم من تغيب أو تعريض أو مصانعة، فإذا لم يمكن إلا بالهجرة تعينت، ولا يحل سبهم عموما ورميهم بالنفاق، بل السب والرمي بالنفاق يقع على الصفات المذكورة في الكتاب والسنة، فيدخل فيها بعض أهل ماردين وغيرهم.

وأما كونها دار حرب أو سلم؛ فهي مركبة فيها المعنيان، ليست بمنزلة دار السلم التي يجري عليها أحكام الإسلام، لكون جندها مسلمين، ولا بمنزلة دار الحرب التي أهلها كفار، بل هي قسم ثالث، يعامل المسلم فيها بما يستحقه ويقاتل الخارج عن شريعة الإسلام بما يستحقه)أهـ

وفي هذه الحالة المذكورة آنفا ًيستطيع المرء أن يقول؛ باستحباب الهجرة دون الوجوب، إن كان مستطيعًا إظهار دينه، كي لا يؤثم الآخرين بلا دليل صحيح صريح، وإن لم يستطع إظهار دينه فالهجرة واجبة ولا شك.

ثالثًا:

يجب على العالم ما لا يجب على العامي، ويجب على من تقوم به مصلحة الدعوة ما لا يجب على من ليس كذلك، وما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب، لذا إيجاب الهجرة على الجماعات ليس كإيجابها على الأفراد، وإيجابها على الأفراد الذين تكمن من وراء مجيئهم مصلحة الإسلام والمسلمين ليس كايجابها على الأفراد الذين ليس من وراء مجيئهم إلا التعب والعناء، وإرهاق الآخرين بهم، والعبرة بالدليل الشرعي لا العواطف الإيمانية، فالمسألة دين وشرع.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت