الصفحة 21 من 25

رابعًا:

لا نغفل عن النوع الذي قرره ابن قدامة في"المغني"قائلًا: (من تستحب له ولا تجب عليه؛ وهو من يقدر عليها، لكنه يتمكن من إظهار دينه، وإقامته في دار الكفر فتستحب له، ليتمكن من جهادهم، وتكثير المسلمين، ومعونتهم، ويتخلص من تكثير الكفار، ومخالطتهم، ورؤية المنكر بينهم، ولا تجب عليه لإمكان إقامة واجب دينه بدون الهجرة، وقد كان العباس عم النبي صلى الله عليه وسلم مقيما بمكة مع إسلامه) أهـ، لكي لا يشدد على من رأى عدم وجوب الهجرة، وإنما الندب المؤكد.

خامسًا:

ينبغي أن يهاجر المؤمن من المكان الذي هو فيه إلى ما هو أفضل منه، وإلا لم تجب الهجرة عليه إلا إلى موضع خلى عما هاجر لأجله من المعاصي، فيهاجر من دار الكفر إلى دار الإسلام، ومن دار ظلم وعصيان إلى دار إنصاف وإحسان، أما الانتقال من شر إلى شر، ومن دار عصاة إلى دار عصاة؛ فليس فيه إلا إتعاب النفس بقطع المفاوز وشتات الحال وضياع المال.

وإذا لم يجد دار إحسان بل كان العصيان منتشرا في البلدان؛ وجب عليه أن يهاجر من موضعه الذي فيه المعاصي ظاهرة إلى ما فيه دونه من المعاصي، أو ما فيه المنكر إلى ما فيه ترك الواجب، نحو أن يكون الموضع الذي هو فيه يظهر فيه الزنى والظلم ولا ينكر، وفي غيره يظهر الظلم دون الزنى، فإنه يجب عليه أن ينتقل إلى الموضع الذي فيه إحدى المعصيتين دون الأخرى، لأن في الشر خيارا [التاج المهذب، بتصرف] .

وأقول: هل يستقيم الآن أن نوجب الهجرة على المؤمن من بلد مختلف في حالها [24] لكن الشرك فيها أخفى من البلد التي يريد الهجرة إليها ولم يتبين حال هذه البلد حق البيان، سوى أن يرى أو يسمع جدية أصحابها في تطبيق الإسلام، إلا أن الرؤية الحقيقة للإسلام لم تظهر بعد، إنما خبر فيه دخن، وخصوصًا مسألة الشرك، سواءً شرك القباب الذي نحن في قلق من مسألة الجدية في أطره، وقولي؛ شرك القباب، لا يعني إغفال شرك التشريع مع الله تعالى، أو شرك تعظيم وعبادة الدول الكافرة، أو شرك تعطيل الجهاد تلبية لرغبة الدول العظمى الكافرة أو ... أو ... المتمثل في كثير من الدول المدعية للإسلام.

وأرجو أن لا يفهم من قولي"شرك القباب"؛ أنني المز أولئك الجادون في تطبيق شرع الله والعمل به، إنما مجرد بيان للصورة التي يجب أن تظهر للمهاجر قبل هجرته، لكي لا يعود على أدراجه مشكلًا عقبة كأداء لمن يريد الهجرة.

سادسًا:

لا يجوز لمن هاجر أن يرجع من مهاجره لغير عذر شرعي، وإلا فهو مرتكب لكبيرة من كبائر الذنوب.

ولقد قال الشيخ عبد الله بن عبد اللطيف في معرض نصيحته لأهل الأرطاوية ما نصه: (وأخبر الرسول صلى الله عليه وسلم عن رجل هاجر، ثم خرج من هجرته إلى البادية فقال:"ردة صغرى، ملعون من فعل ذلك، والذي يبقى على باديته ويحسن إسلامه، أحسن عند الله ممن هاجر ثم خرج من هجرته" [25] ، وبلغني: أن من أهل الأرطاوية أناسًا هاجروا وبنوا يريدون الخروج عن الهجرة إلى البادية، وهذه مصيبة عظيمة لا يأمن من فعلها أن يقع في الردة الكبرى، ويكون ممن ارتد على عقبيه من بعد ما تبين له الهدى، فاحذروا ذلك واصبروا وصابروا ورابطوا واستقيموا على أمر ربكم، ولا تكونوا ممن بدل نعمة الله كفرًا، وأسأل الله لي ولكم التوفيق والهداية، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته) [26] أهـ

لهذا قال ابن حجر في الفتح: (قوله؛"باب التعرب في الفتنة"، بالعين المهملة والراء الثقيلة، أي السكنى مع الأعراب بفتح الألف وهو أن ينتقل المهاجر من البلد التي هاجر منها فيسكن البدو فيرجع بعد هجرته أعرابيا، وكان إذ ذاك محرما، إلا إن أذن له الشارع في ذلك، وقيده بالفتنة، إشارة الى ما ورد من الإذن في ذلك، ثم حلول الفتن كما في ثاني حديثي الباب، وقيل بمنعه في زمن الفتنة، لما يترتب عليه من خذلان أهل الحق، ولكن نظر السلف اختلف في ذلك، فمنهم من آثر السلامة واعتزل الفتن كسعد ومحمد بن مسلمة وابن عمر في طائفة، ومنهم من باشر القتال وهم الجمهور ... ) ، إلى أن قال: (وأخرج النسائي من حديث بن مسعود رفعه؛"لعن الله آكل الربا وموكله ... الحديث"، وفيه؛"والمرتد بعد هجرته أعرابيا") .

قال ابن الأثير في"النهاية": (كان من رجع بعد هجرته إلى موضعه بلا عذر يعدونه كالمرتد) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت