لا شك أن دار الإسلام التي تظهر فيها أحكام الإسلام مطبقة من غير مرية ولا تدليس، ودار الكفر هي التي تظهر فيها أحكام الكفر على أحكام الإسلام، ودار الحرب هي كل بقعة تكون فيها الحرب بين المؤمنين والكافرين، وأن الدار المركبة هي ما كان أهلها مسلمون، وحكامها يطبقون فيهم الإسلام فيما لا يتعارض مع سياستهم وبقائهم على عروشهم - عروش الظلم والقهر والاستبداد -
ولا شك أيضًا في أن أصل الهجرة وحكمها باقي، كلما حصل موجبها، ودعوى النسخ باطلة ولا تصح، حيث أمكن الجمع بين الأدلة، بل لا تعارض بينها، ومدعي التعارض متكلف ما ليس له به حق.
ولاشك في وجوب الهجرة على ما مضى ذكره، لمن له القدرة عليها، ولم يمكنه إظهار دينه، وكانت داره دار كفر أو حرب، وأما إن كانت الدار مختلف فيها - مركبة - وكان في هجرته واجب لا يتم إلا به في الدار المهاجر إليها، وكان في هجرته تكثير سواد المسلمين وقوتهم به ولم يستطع إظهار دينه، ووثق في البلد المهاجر إليها في تطبيق شرع الله وأن أحكام الإسلام هي الظاهرة، فإن الهجرة واجبة عليه بعينه كذلك، لما مضى ذكره من الأدلة، ولأن ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب، وإن لم يكن الأمر كذلك فيبقى الأمر على السنية والاستحباب والندب لا غير، شرط إظهار الدين.
كما أن المقصود بإظهار الدين قولًا واحدًا هو؛ التبري من الكافرين وتكفيرهم، وإظهار عداوتهم، وتسفيههم ودينهم، والتبري ممن يقف معهم ويواليهم وإعلان هذا كله، وما لم يكن كذلك فليس إظهارٌ للدين بل طمس للدين ومعالمه.
ومما ينبغي بحثه ومعرفته؛ مسألة الدار المركبة، إذا كان في الهجرة منها يحصل ما لا تحمد عقباه، مثل إحداث ثلمة في أهل الخير وترك المكان للطواغيت يعيثون في الأرض فسادًا.
خلى لك الجو فبيضي واصفري ونقري ما شئت أن تنقري
لاسيما وبعض الشافعية يرى حرمة الهجرة من أرض تمكن المسلم من التحيز فيها وقدر على إظهار دينه في دار الحرب، ويقدر على الاعتزال في مكان خاص، والامتناع من الكفار، فهذا تحرم عليه الهجرة، لأن مكان اعتزاله صار دار إسلام بامتناعه، فيعود بهجرته إلى حوزة الكفار، وهو أمر لا يجوز، لأن كل محل قدر أهله على الامتناع من الكفار صار دار إسلام - وقد مر معنا فتوى شهاب الدين الملي في أهل"أرغون"- فيجب على المسلم التوخي قدر المستطاع، وأن يتحرى الصواب في ذلك ثم يبني عليه.
هذا
وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين
وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين
والحمدلله رب العالمين
كتبه؛ عبد العزيز بن صالح الجربوع
وكان الفراغ منه
24 / ربيع الآخر / لعام 1422 هـ