وقال الشافعي في"أحكام القرآن": (وفرض رسول الله صلى الله عليه وسلم على من قدر على الهجرة؛ الخروج إذا كان ممن يفتتن عن دينه ولا يمنع، فقال في رجل منهم توفي، تخلف عن الهجرة، فلم يهاجر: {إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنْتُمْ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا فَأُولَئِكَ مَاوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءَتْ مَصِيرًا} ، وأبان الله عز وجل عذر المستضعفين، فقال: {إِلَّا الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ لا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلا يَهْتَدُونَ سَبِيلًا} ، ويقال: {عسى} من الله؛ واجبة، ودلت سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ على أن فرض الهجرة على من أطاقها، إنما هو على من فتن عن دينه بالبلدة التي يسلم بها، لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم أذن لقوم بمكة أن يقيموا بها، بعد إسلامهم، منهم العباس بن عبد المطلب وغيره إذ لم يخافوا الفتنة، وكان يأمر جيوشه أن يقولوا لمن أسلم؛ إن هاجرتم فلكم ما للمهاجرين وإن أقمتم فأنتم كأعراب المسلمين، وليس يخيرهم) .
وقال"صاحب نيل الأوطار"تحت مسألة"مساكنة الكفار": (وقال ابن العربي: الهجرة هي الخروج من دار الحرب إلى دار الإسلام، وكانت فرضا في عهد النبي صلى الله عليه وسلم واستمرت بعده لمن خاف على نفسه والتي انقطعت أصلا هي القصد إلى حيث كان. وقد حكى في"البحر" [14] أن الهجرة عن دار الكفر واجبة إجماعا، حيث حمل على معصية فعل أو ترك أو طلبها الإمام بقوته لسلطانه، وقد ذهب جعفر بن مبشر وبعض الهادوية [15] إلى وجوب الهجرة عن دار الفسق، قياسا على دار الكفر، وهو قياس مع الفارق، والحق؛ عدم وجوبها من دار الفسق لأنها دار إسلام، وإلحاق دار الإسلام بدار الكفر بمجرد وقوع المعاصي فيها على وجه الظهور ليس بمناسب لعلم الرواية ولا لعلم الدراية، وللفقهاء في تفاصيل الدور والأعذار المسوغة لترك الهجرة مباحث ليس هذا محل بسطها) .
من هذه الأقوال المستندة للأدلة الشرعية يتضح لنا وجوب الهجرة في مثل هذه الحالة؛ وجوبًا عينيًا، لا مرية فيه ألبتة.
الحالة الثانية: أن لا يستطيع إظهار دينه في دار الكفر، ولا يمكنه الهجرة؛
فقد اتفق أهل العلم أيضًا في مثل هذه الحالة على عدم الهجرة، ولا يعلم في ذلك مخالف، لقوله تعالى: {إِلَّا الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ لا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلا يَهْتَدُونَ سَبِيلًا} ، وعدم الاستطاعة هنا إما أن تكون لمرض، أو إكراه على الإقامة في دار الكفر أو ضعف كالنساء، والولدان. أو غير ذلك من أنواع العجز المسقط لحكم وجوب الهجرة.
قال ابن قدامة في"المغني": (الثاني؛ من لا هجرة عليه، وهو من يعجز عنها إما لمرض أو إكراه على الإقامة أو ضعف - من النساء والولدان وشبههم - فهذا لا هجرة عليه، لقول الله تعالى: {إِلَّا الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ لا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلا يَهْتَدُونَ سَبِيلًا} ) .