وقال ابن الأثير: (الهجرة هجرتان إحداهما التي وعد الله عليها الجنة في قوله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ} ، فكان الرجل يأتي النبي ويدع أهله وماله ولا يرجع في شيء منه وينقطع بنفسه إلى مهاجره وكان النبي يكره أن يموت الرجل بالأرض التي هاجر منها، لذا قال:"لكن البائس سعد بن خولة"، يرثي له أن مات بمكة، وقال حين قدم مكة:"اللهم لا تجعل منايانا بها"- هذا الحديث عند الإمام أحمد وغيره ورجاله رجال الصحيح - فلما فتحت مكة صارت دار إسلام كالمدينة وانقطعت الهجرة. والهجرة الثانية من هاجر من الأعراب وغزا مع المسلمين ولم يفعل كما فعل أصحاب الهجرة الأولى فهو مهاجر وليس بداخل في فضل من هاجر تلك الهجرة وهو المراد بقوله لا تنقطع الهجرة حتى تنقطع التوبة فهذا وجه الجمع بين الحديثين وإذا أطلق ذكر الهجرتين فإنما يراد بهما هجرة الحبشة وهجرة المدينة وفي الحديث سيكون هجرة بعد هجرة فخيار أهل الأرض الزمهم مهاجر إبراهيم المهاجر بفتح الجيم موضع المهاجرة، ويريد به الشام لأن إبراهيم على نبينا وعليه الصلاة والسلام لما خرج من أرض العراق مضى إلى الشام وأقام به، وفي الحديث؛"لا هجرة بعد الفتح ولكن جهاد ونية"، وفي حديث آخر؛"لا تنقطع الهجرة حتى تنقطع التوبة") .
قال ابن الأثير: (الهجرة في الأصل الاسم من الهجر ضد الوصل وقد هاجر مهاجرة والتهاجر التقاطع، والهجر المهاجرة إلى القرى. وهجر الشيء وأهجره تركه وهجر الرجل هجرا إذا تباعد ونأى، وقال الليث: الهجر من الهجران وهو ترك ما يلزمك تعاهده وهجر في الصوم يهجر هجرانا اعتزل فيه النكاح ولقيته عن هجر أي بعد الحول ونحوه وقيل الهجر السنة فصاعدا وقيل بعد ستة أيام فصاعدا وقيل الهجر المغيب أيا كان ... ) إلى آخر ما قال ابن منظور والزبيدي.