الصفحة 120 من 179

(وأعانت الدول المحتلة-كل في منطقة نفوذه- على تدعيم قداسة هذه الأوطان الجديدة في نفوس الناس بأسلوب علمي منظم وذلك بمساعدتها على إحياء التاريخ القديم لكل قطر من هذه الأقطار

ونشطت الحفريات للبحث عن آثار الحضارات القديمة السابقة على الإسلام في كل من العراق وسوريا ولبنان وفلسطين وشرق الأردن ومصر لتوهين عري الجامعة العربية ولتشتيت القلوب التي ألف بينها الإسلام وجمعها على لغة واحدة فاستيقظت العصبيات الجاهلية وراح كل بلد يفاخر البلاد الأخرى بمجده العريق وشغلت

الصحف بالكلام عن الكشوف الأثرية الجديدة وما تدل عليه من حضارات البابليين والآشوريين والكلدانيين والحيثيين والفينيقيين والفراعنة وكانت إصبع الغربيين واضحة في هذه الجهود فقد عاش المسلمون أدهارا وهم غافلون عن هذه الآثار القديمة لا يعيرونها التفاتا ولا يتحدثون عنها حين يتحدثون إلا كما يتحدثون عن قوم غرباء من الكفرة أو العتاة لا يثير الحديث عنهم شيئا من الحماس أو الزهو في نفوسهم ظل المسلمون على هذه الحال حتى بدأ الغربيون بالكشف عن كنوزها ولفت أنظارهم إليها منذ اتجهت مطامعهم إلى بلادهم

وللأوروبيين في ذلك أسلوب خبيث ماكر فهم يبدءون التنقيب ببعوث من علماء الآثار الغربيين حتى إذا حققوا ما يهدفون إليه من اهتمام كل بلد من هذه البلاد بتراثه القديم وتحمسه له وغيرته عليه ورأوا أن هذه الغيرة تدفعه إلى منافسة الأجانب في هذا الميدان الذي يعتبر نفسه أولي به وأحق بوصفه وارث هذه الحضارة عند ذلك

يتخلون عن مهمتهم ويتركونها في رعايته مطمئنين إلى أنه سيوالي السير في الخطوط التي رسموها له

والأدلة على هذا الأسلوب الخبيث كثيرة لاتعوز الباحث فقد بلغ من اهتمام الأوروبيين بنبش هذا التاريخ القديم واتخاذه أساسا لتدعيم التجزئة الجديدة للوطن العربي أن جمعية الأمم المتحدة قد نصت في صك انتداب بريطانيا على فلسطين على الاهتمام بالحفريات وذلك في المادة 21 التي تنص على (أن تضع الدولة المنتدبة وتنفذ في السنة الأولي من تاريخ تنفيذها الانتداب قانونا خاصا بالآثار والعاديات ينطوي على الأحكام الآتية .. ) ....

ومما لا تخفى دلالته في هذا الصدد أن الثري الأمريكي اليهودي الأصل روكفلر (ابن روكفلر الكبير) صاحب الملايين قد أعلن سنت 1926 عن تبرعه بعشرة ملايين ريال أمريكي (وهو ما يعادل مليونين من الجنيهات المصرية وقتذاك) لإنشاء متحف للآثار الفرعونية في مصر يلحق به معهد لتخريج المتخصصين في هذا الفن

واشترط لمنح هذه الهبة أن يوضع المتحف والمعهد تحت إشراف لجنة مكونة من ثمانية أعضاء ليس فيها إلا عضوان مصريان فقط على أن تظل هذه اللجنة هي المسئولة عن إدارة المتحف والمعهد لمدة ثلاث وثلاثين سنة وقد استرد الثري الصهيوني الأمريكي هبته وقتذاك بعد أن أرسل مندوبا يمثله من علماء الآثار الأمريكيين المعروفين ... وقد كان واضحا من تحديد صاحب الملايين مدة الإشراف بثلاث وثلاثين سنة أنه يهدف إلى خلق جيل من المتعصبين للفرعونية سياسيا وثقافيا ...

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت