إن أفراد هذا الجيش من أسفه الناس عقولا وأرقهم دينا:
أما سفه عقولهم فلأنهم يغامرون بأنفسهم ويضحون بأرواحهم ويتعرضون للأخطار وربما سافروا الأسفار الشاقة وربما سهروا الليالي الطوال وجاعوا وتعبوا كل ذلك من أجل بسط نفوذ سادتهم من الحكام الطواغيت وتحقيق أطماعهم!!
مع أن هؤلاء الحكام لا يقيمون لهم وزنا ولا يبالون لهم بالة بل يستخدمونهم في ما يحقق مصالحهم الشخصية ولوكن في ذلك هلاك لهذا الجيش، فيطبقون فيهم مقولة العرب:"احمل عبدك على الفرس فإن هلك .. هلك .. وإن بقي فهو لك"!!
وليست سفاهة عقولهم عذرا لهم يوم القيامة فإن الله تعالي يقول: {وَلَقَدْ ذَرَانَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لَا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لَا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لَا يَسْمَعُونَ بِهَا أُولَئِكَ كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ} [الأعراف: 179]
قال ابن جرير: (وأما قوله: {لهم قلوبٌ لا يفقهون بها} فإن معناه: لهؤلاء الذين ذرأهم الله لجهنم من خلقه قلوب لا يتفكرون بها في آيات الله، ولا يتدبرون بها أدلته على وحدانيته، ولا يعتبرون بها حُجَجه لرسله، فيعلموا توحيد ربِّهم، ويعرفوا حقيقة نبوّة أنبيائهم. فوصفهم ربُّنا جل ثناؤه بأنهم:"لا يفقهون بها"، لإعراضهم عن الحق وتركهم تدبُّر صحة نبوّة الرسل، وبُطُول الكفر) تفسير الطبري - 13/ 278
وسفاهة هؤلاء الجنود هي نتيجة حتمية لطبيعة التدريبات التي تفرض عليهم حيث يدربون على الذلة والمهانة بطريقة تفقد هم الشعور بالعزة فيتحللون من كل المبادئ والقيم الدينية والمعاني الخلقية النبيلة، ويفقدون الشعور بالإيمان والحياء والإنسانية والرحمة والشجاعة والجرأة في الحق وينعدم في نفوسهم كل شعور بالعزة والكرامة ..
ولا يبقي فيها إلا شعور واحد هو أن مهمتهم هي طاعة قادتهم! ليتحولوا في النهاية إلى كلاب بشرية يسلطها الحاكم على من يشاء!!
يقول سيد قطب رحمه الله:
والذل يفسد الفطرة البشرية حتى تأسن وتتعفن؛ ويذهب بما فيها من الخير والجمال والتطلع ومن الاشمئزاز من العفن والنتن والرجس والدنس (في ظلال القرآن - 5/ 423) .
وقال: وليس أشد إفسادًا للفطرة من الذل الذي ينشئه الطغيان الطويل، والذي يحطم فضائل النفس البشرية، ويحلل مقّوماتها، ويغرس فيها المعروف من طباع العبيد: استخذاء تحت سوط الجلاد، وتمردًا حين يرفع عنها السوط، وتبطرًا حين يتاح لها شيء من النعمة والقوة (في ظلال القرآن - 1/ 44) .