فيها، فسأله الراقي: مِنْ أينَ أنتَ؟!، فقال: (أنَا من بلاد الشام) ، فقال له: ما الذي جاء بك هنا؟!، فقال الجني: (إننا قد أتينا برفقة فلان من أهل «بريدة» حيث أتى معه بكتب من الشام وجئنا برفقته!) ؛ فتابَعَ الراقي القراءةَ حتى طلَبَ الجني الخروجَ وعاهدهُ أنْ يخرج ولا يضرها ولا يعود إليها، فخرج وذهب أهل البنت بابنتهم وقد شفاها الله عز وجل بِخُروج الجني.
ثم إنَّ الراقي رَكِبَ حِمَاره وأتى من وقته إلى الشيخ «عمر بن محمد بن سليم» رحمه الله ببريده وأخبره بالذي حصل، فبعَثَ الشيخ إلى الرجل - القادم من الشام - يطلب منه الكتب التي جاء بها من الشام، فبعَث بها إلى الشيخ كما هي حيث كان هذا أوان وصوله من الشام، ولَم ينظر ما فيها وقد يكون لا يعلم ما فيها، فقرأ الشيخ منها، وإذا هي إلحاد ومخرفة فأحْرَقَها.
هذه القصة جرَت منذ حوالي سبعين سنة حيث إنَّ الشيخ «عُمَر بن سليم» رحمه الله توفي سنة (1362هـ) [1] ، وشاهِدُ الحادثة مرافقة الْجِنِّي لهذه الكتب لأن الباطل بأنواعه وأجناسه مادَّة جذب للشياطين، وبالعكس الملائكة - عليهم السلام - [2] .
ومَا ذكرناه هنا مِمَّا عُرِضَ فِي هذا الْمَعرض قليل من كثير من الطَّوام التي أقل القليل منها مُوجب لسخط الملِك العلاَّم وحلول عقابه العاجل، وقد قال سبحانه: {إِنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ} [3] ، وقال: {وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ} [4] ، وقال سبحانه: {إِنَّ لَدَيْنَا أَنْكَالًا وَجَحِيمًا * وَطَعَامًا ذَا غُصَّةٍ وَعَذَابًا أَلِيمًا} [5] ، وقال تعالى: {وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ} [6] ، وقال سبحانه وبحمده: {تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} [7] .
فلينظُر المسلم ما يسعه عند الله عز وجل أمام هذه الكُفْريَّات الغليظة والإباحيات الشنيعة - قطَع الله دابَرَ مَن آواها، وروَّجها، وباعها، ورضيَ بها، وحَمَاها -.
(1) أنظر: «علماء نجد خلال ثمانية قرون» لابن بسام، (5/ 329) .
(2) أنظر كتابنا: «بيان الأدلة النقلية والعقلية في الفرق بين الرقية الشرعية والرقية التجارية» ، ص (52 - 53) .
(3) سورة البروج، آية: 12.
(4) سورة هود، آية: 102.
(5) سورة المزمل، الآيات: 12 - 13.
(6) سورة الزمر، آية: 67.
(7) سورة الملك، آية: 1.