بَعْدَِ حِين» [1] ، وقد رأيتَ ولكن لسْتَ تعتبر، احذر عداوة مَن ينام وطَرْفُه بَاكٍ يُقَلِّب وَجْهَه في السَّمَاء يرمي سهامًا مَالَهَا غَرَضٌ سِوى الأحْشَاء منك!) انتهى [2] .
وعن جابر رضي اله عنه قال: لَمَّا رَجَعَتْ مُهَاجِرَةُ الْحَبَشَةِ عام الفتح إلى رسُول الله صلى الله عليه وسلم قال: (ألاَ تُخْبِرُونِي بأعْجَب مَا رأيتم بأرض الْحَبَشَةِ؟!) ، فقال فِتْية كانوا منهم: بَلَى يا رَسُول الله .. بَيْنَمَا نَحْنُ يَوْمًا جُلوس إذْ مرَّتْ بِنَا عَجُوزٌ من عجائزهم تَحْمِلُ عَلى رَأسِهَا قُلَّةً مِنْ مَاءٍ، فَمَرَّتْ بِفَتَى مِنْهُم فَجعَل إحدَى يديه بين كَتِفَيْها ثُمَّ دَفَعَهَا فَخَرَّت الْمَرأةُ عَلَى رُكْبَتَيْهَا وانْكَسَرَتْ قُلَّتُهَا، فَلمَّا قامَتْ التفتتْ إليه ثم قالت:"سَوْف تَعْلَمُ يَا غَادِر إذا وضَعَ الله الكُرْسِي وجَمَعَ الأوَّلين والآخِرِينَ وَتَكَلَّمَتْ الأيْدِي والأرْجُلُ بِمَا كَانوُا يَكْسِبُون، سوف تَعْلَمْ مِنْ أمْري وأمْرِك عِنْدَه غَدًا"، قال: فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (صَدَقَتْ، كَيْفَ يُقَدِّسُ الله أُمَّةً لاَ يُؤْخَذُ لِضَعِيفِهِمْ مِنْ شَدِيدِهِمْ!) [3] .
وهذه قصص عجيبة للعِظة والاعتبار، ويتبيَّن منها أن الله تعالى يُعاقِب في الدنيا مَن سخِر به وبدِينه، وبعضها في بيانِ استجابةِ اللهِ لِمَن دَعَوْه واستغاثوا به حينما ظُلِمُوا مِمَّا يَدُلُّ على وُجُودِهِ عز وجل وقيامه بالقِسْطِ وعَاجِل عقوبَتِهِ - سُبحَانه وَبِحَمْده -؛ ويلي هذه القصص - إن شاء الله تعالى - قصص أخرى مِنْ زَمَانِنَا هذا:
? لقد وَرَد في سَبَبِ نزول هذه الآية: {وَيُرْسِلُ الصَّوَاعِقَ فَيُصِيبُ بِهَا مَنْ يَشَاءُ وَهُمْ يُجَادِلُونَ فِي اللَّهِ وَهُوَ شَدِيدُ الْمِحَالِ} ، فَعَن أنس بن مالك رضي اله عنه قال: بعث النبي صلى الله عليه وسلم مَرَّةً رَجُلًا إلى رَجُلٍ مِنْ فراعنة العرب: (أنْ ادْعُه لي) ، فقال: يا رسول الله .. إنه أعتى من ذلك!، قال: (اذْهَبْ إِلَيْهِ فَادْعُهُ) ، قال: فأتاه فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم يدعوك!، فقال: مَنْ رسول الله؟!، وما الله؟!، أمِنْ ذَهَبٍ هُوَ، أمْ مِنْ فِضَّةٍ، أمْ مِنْ نُحَاسٍ؟!، قال: فأتى الرجل النبي صلى الله عليه وسلم فأخبره، فقال: (ارْجِعْ إِلَيْهِ فَادْعُهُ) قال: فأتاه فأعاد عليه وردَّ عليه مثل الجواب الأوَّل؛ فأتى النبي صلى الله عليه وسلم فأخبره، فقال: (ارْجِعْ إِلَيْهِ فَادْعُهُ) قال: فَرَجَعَ إليه، فبينما هُمَا يَتَراجعان الكلام بينهما، إذ ْبَعَثَ الله سَحَابَةً بِحِيَالِ رأسِهِ فرَعَدت، فَوَقَعَتْ منها صاعقة فَذَهَبَتْ بقِحْفِ رأسِه، فأنزل الله عز وجل: {وَيُرْسِلُ الصَّوَاعِقَ فَيُصِيبُ بِهَا مَنْ يَشَاءُ وَهُمْ يُجَادِلُونَ فِي اللَّهِ وَهُوَ شَدِيدُ الْمِحَالِ} ) انتهى [4] .
(1) أخرج ابن ماجه في «سننه» برقم (1752) وابن حبان في «صحيحه» برقم (7387) ، وابن خزيمة في «صحيحه» برقم (1901) ، وغيرهم من حديث أبي هريرة رضي اله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (ثلاثة لا ترد دعوتهم: الإمام العَادِل، والصائم حتى يُفطِر، ودعوة المظلوم تُحْمَل على الغَمَام وتفتح لَهَا أبوابُ السَّمَاوات ويقول الربُّ - عزَّ وجل:"وعزتي لأنصرنك ولو بَعْد حين") ، وقد حسَّنه الحافظ ابن حجَر في «الفتوحات الربانية» (4/ 338) .
(2) «بدائع الفوائد» ، (3/ 762) .
(3) أخرجه ابن ماجه في «سننه» برقم (4010) ، وابن حبان في «صحيحه» برقم (5058) ، وقال الذهبي في كتابه «العلو للعليِّ الغفار» ص (85) : (إسناده صالح) .
(4) أخرجه النسائي في «سننه الكبرى» برقم (11259) ، وابن جرير في «تفسيره» برقم (20270) ، والطبراني في «معجمه الأوسط» برقم (2608) ، وأبو يعلى البزار في «مسنده» برقم (3468) ؛ وقال الهيثمي في «مُجَمع الزوائد» (7/ 42) : (رجال البزار رجال الصحيح غير"ديلم بن غزوان"وهو ثقة) .