الصفحة 37 من 37

الإبليسية؟!، وكيف يَتَّفِق معَها إسْلاَمٌ؟!.

ولكَ أنْ تتصوَّر مَجْلِسًاَ حَضَرَه النبي صلى الله عليه وسلم وجماعة من الصحابة رضي الله عنهم وغيرهم ثم قال أحدُ الحاضرين:"لاَ بأس بِعِبَادَةِ اللاَّتِ والعُزَّى"، وقال الآخر:"دِينُ اليهودِ حَقٌّ، وَدِينُ النصارى حَقٌّ"، وقال ثالثٌ:"قَطْعُ يَدِ السارق وحْشِيَّة فلوْ سُجِن أوْ غُرِّم غَرَامة"ونحو ذلك مِنْ مُعارضةِ التشريع السَّماوي الْمُحَمَّدي، فهَل سيَسْكتُ النبي صلى الله عليه وسلم عن هؤلاء أمْ أنه سيغضب ويُنكر عليهم ويُعاقبهم؟!؛ والْجَوَاب: أنه لاَ يقول مُسْلِمٌ:"إنَّ النبي صلى الله عليه وسلم لا يَغضب ولا يُنكر عليهم كلهم ويُعاملهم بِمَا يستحقون"؛ فهذا ظاهر، لكن هُمْ سَوف يقولون:"لنا حرية الرأي والتعبير"، فهل تَجِد في شريعتِهِ الْمُطهَّرة أنه صلى الله عليه وسلم يُقِرِّهم على هذه الْحُجَّةِ الشيطانية الْهادِمَةِ للمِلِّةِ الإبراهيمية الْمُحمَّدِية أوْ أنه يفعل صلى الله عليه وسلم ما يُرضي رَبَّه بِهِم؟!.

وعلى هذا فَقِسْ لِتَعْلَم الْمُراد بِهَذه الكلمة!، وَمَعلُومٌ أنَّ هؤلاء المتشدقين بِكَلِمَةِ (حُرِّية الرأي والتعبير) ينقضون أصلَهم لوْ نِيل منهم أوْ سُبُّوا ولاَ يَقبلون عُذْرَ مَن يَحتج بِحُرية التعبير لأنَّ المرادَ منها فقط الهجومُ على الدِّينِ وانتهاكِ حُرُمَاتِهِ .. {وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ} [1] ، ومَن شاء فلْيَشْتُم أحدَهم أوْ ينْتَقِصه!، فإذا ثَارَت ثائرتُه وَغَضِب فليقل له: (هذه حرية تعبير) فهلْ يَقبلْ ويُسَلِّم؟!، فهُنا تعلم أنهم يُريدون بِهَذه الكَلِمَة إلغاءَ الأحكام الشرعية!، ولذلك فإنهم يحتجون بهذه العبارات إذا أُنكِرَ عليهم ما خالف الشريعة!.

ثُمَّ إنَّهُم يُوهِمون الْجُهَّالَ بِهَذِهِ العِبَاراتِ بأنَّ الدِّينَ كَبْتٌ للحُرِّياتِ وتكميمٌ للأفواهِ وحَجْرٌ على العقول، وهذا كلُّه يُمْلِيهِ عليهم إبليسُ لِيُزَيِّن لَهُم سُوءَ أعمالِهِم، ولِيُنَفِّرُوا الناسَ عن دِين خَالِقِهِمْ عز وجل ويوُحشونَهم مِنْ أحكامِهِ وكأنه ليس في الدين أن يُعَبِّر الإنسانُ عمَّا فِي نَفْسِه ليهتدي إلى الحقِّ وكأنه يُؤَاخَذ ويُعاقَب دون سَمَاعِ قَوْلِهِ والنظرِ في أمْرِه!، وغير ذلك مِن التشنيع على الدِّين، والله المستعان.

وإنَّ أدنَى نَظَرٍ في أحكام الشريعةِ والقضاءِ والقُضَاةِ لَيَدْحَض زيغَ هؤلاء الزائغين ويكشف زَيْفَهَم - وللهِ الحمدُ والْمِنَّةُ -.

إمهال الله للزنادقة والعصاة يُظهر معنى اسمه(الحليم):

لَقَدْ قَرَنَ الله - تبارك وتعالى - في عِدَّةِ آياتٍ من كتابه الكريم اسْمَه (الغفور) بـ (الحليم) [2] ، ويظْهر معنى اسمه (الحليم) واقعًا بِمَا نَراهُ من إمهالِهِ عز وجل لكثيرٍ من الزنادقة والظَّلَمَةِ والعُصَاةِ دونَ أنْ يَأخُذهُم بعذابٍ عاجِلٍ، ومنهم مَن يُمْهِله تعالى مُدَّةً ثم يأخذه أخْذَ عزيزٍ مُقتَدِرٍ ويجعله عِبْرَةً لِخَلْقِهِ.

قال ابنُ الجوزي رحمه الله: (مَا زِلْتُ أسْمَعُ عن جَمَاعَةٍ من الأكَابِرِ وأرباب الْمَنَاصِبِ أنَّهُم يَشْربُون الْخُمور ويفسُقُون ويظْلِمُون ويفعلون أشياءً توجب الْحُدُود، فبقيتُ أتفَكَّرُ أقول: متَى يثبتُ عَلَى مِثْلِ هَؤلاَءِ مَا يوجب حَدًّا؟!، ولو ثَبَتَ

(1) سورة الشعراء، من الآية: 227.

(2) أنظر: سورة البقرة، آية: 225، 235؛ وسورة آل عِمْران، آية: 155؛ وسورة المائدة، آية 101.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت