الصفحة 36 من 37

شخصية حقيقيةٍ مُنْكِرًا على مَن قاله بحيث يَذكره على سبيل الإنكار فهذا صحيحٌ ومُثابٌ عليه إنْ شاء الله، وأمَّا إنْ أورده على غير سبيل الإنكار ولَم يُنْكِرْه فهو كافرٌ لاسِيَّمَا إذا كَانَ صَادرًا عنه ومِنْ نَسيج خيَالِهِ حيثُ طَرحَه كأيِّ كلامٍ لا بأس به!.

ويوضِّحُ ذلك أنه لو كَتَبَ إنسَانٌ قِصَّةً خَيالية كَالَّتِي يُسمُّونَها بـ (الرَّاوية) بِحيثُ يكْتُبُ بأنَّ اثنين اختصَمَا في (محمد) صلى الله عليه وسلم فقال أحَدُهُمَا: (هو رسُولُ اللهِ وأكمَل الناسِ عَقْلًا وأهدَاهُم سَبِيلًا) ، فقال الآخر: (بل هو مجنون ولا فرق بينه وبين المجانين) ، وأنهى الكاتب القصة أوْ أتى بكلامٍ بعده ولكن لَمْ يَرُدَّ كلام الآخر ويبين أنه كفر فهو بمنزلة الذي وصف النبي صلى الله عليه وسلم بالجنون لأنه منتحل لِهَذا الكلام قاصِدًا تَروِيِجَه، وهذا بِخَلافِ مَا لوْ أوْرد قصة كافرٍ معلوم كُفره مثل أبي جَهْلٍ وأضرابه وذِكر ما يتكلم به من الكفر، فهذا شيءٌ وذلك شيءٌ آخَر.

وَمِثَالٌ آخَر: فلو أنَّ اثنين قال أحدهما: (الله حيٌّ موجود) ، وقال آخر: (لا وجود لله) ، وروى إنسانٌ ذلك كقصة هكذا دون إنكار لقول الثاني فهو إمَّا أنه يُقرِّر هذا الكفر ويروِّجه أو أنه شاكٌّ في هذا الكفر، والشَّكُّ في هذا كُفْرٌ؛ فما عُذْرُ مَن انتحل قصة صاغها في مُخيَّلته وأنطق بعض شخصياتها الوهمية بالكفر دون بيان أنَّ هذا كُفْر ثُمَّ يقوم بِبَثِّهَا وَنَشْرها؟!، وهذه حيَلٌ خبيثة!.

وهل يرضى مَن يُدافِع عن مِثل هذا أن يَكتُب إنسانٌ (رِوايةً) ويَجعله هو أحَد شَخصِيَّاتِهَا ويذكر عنه أنه يتكلم بكلامٍ قبيح أو يعمل عملًا قبيحًا؛ فهل يشفع لهذا الكاتب وينفعه إذا قال: (هذه رواية وشخصياتها هي التي تتحدث) ؟!، فإنْ قال: (لا أرضى، وهذه جناية لأنه ذكرني باسمي) فحينئذٍ يُقالُ له: هلْ أنتَ وحتى الْخَلْق كلهم أعزُّ من الله ورسوله؟! .. وكيف إذَنْ تُجَادِل عن أولئك الرُّوَاة الكَذَبة السَّاخرين بالله وَدِينِه، وقد قال تعالى: {هَا أَنْتُمْ هَؤُلاءِ جَادَلْتُمْ عَنْهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فَمَنْ يُجَادِلُ اللَّهَ عَنْهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَمْ مَنْ يَكُونُ عَلَيْهِمْ وَكِيلًا} [1] ؟!.

فيا أرباب ما يُسمَّى بـ (حرية الرأي والتعبير) و الـ (رواية) : أنتمْ واللهِ فِي ضَلاَلَةٍ وعِمَاية، وحِيَلُكُمْ لنْ تنفَعكُم يوم تُبلَى السَّرَائر، وتَظْهَر مُخَبَّئَاتُ الضَّمَائِر؛ قال الإمامُ ابن القَيِّمِ رحمه الله: (فحقيقٌ بِمَن اتقى الله وخَافَ نَكَالَه أنْ يَحْذَر استحلالَ مَحَارِمِ اللهِ بأنواعِ الْمَكْرِ والاحْتِيَالِ وأنْ يَعلم أنه لا يُخَلِّصه من الله ما أظْهَرَه مَكْرًا وخديعة من الأقوالِ والأفعالِ، وأنْ يعلَمَ أنَّ لِلَّهِ يومًا تكِعُّ فيه الرجالُ، وتُنْسَفُ فيه الْجِبَالُ، وتترادفُ فيه الأهوالُ، وتشهد فيه الجوارحُ والأوصالُ، وتُبْلَى فيه السَّرَائرُ، وتظهَرُ فيه الضَّمَائر، ويصير الباطلُ فيه ظاهرًا، والسِّرُّ علانيةً، والمستورُ مكشوفًا، والْمَجْهُولُ معروفًا، ويحصل ويبدو مَا فِي الصدور كما يُبَعْثَر ويخرج ما في القبور، وتجري أحكامُ الرَّبِّ تعالى هنالك على القُصُودِ والنِّيَّاتِ كما جَرَتْ أحكامُهُ في هذه الدَّارِ على ظواهر الأقوال والْحَرَكَات يوم تَبْيَضُّ وُجُوهٌ بِمَا في قلوبِ أصحَابِهَا مِنْ النصيحةِ للهِ ورسُولِهِ وَكِتَابِهِ وما فيها من البِرِّ والصِّدقِ والإخلاصِ للكبيرِ الْمُتَعَالِ، وتسْوَدُّ وجوهٌ بِمَا في قلوبِ أصحَابِهَا من الْخَدِيعَةِ والغِشِّ والكَذِبِ والْمَكْرِ والاحتيالِ؛ هنالك يعلَمُ الْمُخَادِعُونَ أنَّهُمْ لأنفُسِهِمْ كانوا يَخْدعُونَ، وَبِدِينِهِمْ كانُوا يَلْعَبُونَ .. {وَمَا يَمْكُرُونَ إِلَّا بِأَنْفُسِهِمْ وَمَا يَشْعُرُونَ} [2] انتهى [3] ، وقال تعالى: {يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَمَا يَخْدَعُونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ} [4] ، وقال سبحانه: {وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ} [5] .

وقد جَاءَ عنْ رسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم أنه قال: (لاَ تَرْتَكِبُوا مَا ارْتَكَبَتِ اليَهُودُ فَتَسْتَحِلُّوا مَحَارِمَ اللَّهِ بِأَدْنَى الْحِيَلِ) [6] .

قال ابنُ القيِّمِ بَعْدَ أنْ ذكَرَ الغِناءَ والْمَعازِفَ، قال رحمه الله: (قالَ بَعْضُ أَهْلِ العِلْمِ: إذا اتَّصَفَ القلْبُ بِالْمَكْرِ والخدِيعَةِ والفِسْقِ وانْصَبَغَ بِذلكَ صِبْغًا تَامًّا صَارَ صاحِبُه على خُلُقِ الْحَيَوانِ الْمَوصُوفِ بذلك مِنْ القِرَدَةِ والخنَازِيرِ وغَيْرِهِمَا ثُمَّ لا يزال يتزايدُ ذلك الوَصْفُ فيه حتى يَبْدُو على صَفَحَاتِ وَجْهِهِ بُدُوًّا خَفِيًّا، ثُمَّ يقْوَى ويتَزَايد حتى يصير ظَاهِرًا على الوَجْهِ، ثُمَّ يَقْوَى حتى يَقلِبَ الصُّورَةَ الظاهرة كَمَا قَلَبَ الْهَيْئَةَ الباطِنَة، ومَن له فِرَاسَة تامَّة يَرَى على صُوَرِ الناسِ مَسْخًا مِنْ صُوَرِ الحيَوَاناتِ التي تَخَلَّقُوا بأخلاَقِهَا في الباطِنِ، فَقَلَّ أنْ تَرَى مُحْتالًا مَكَّارًا مُخَادِعًا خَتَّارًا إِلاَّ وعلى وجْهِهِ مَسْخَة قِرْد، وقَلَّ أنْ ترَى رَافِضِيًّا إلاَّ وعلى وَجْهِهِ مَسْخَة خِنْزِيرٍ، وَقَلَّ أنْ تَرى شَرِهًا نَهِمًا نَفْسه نَفْسٌ كَلْبِيَّة إلاَّ وعلى وَجْهِهِ مَسْخَة كَلْبٍ، فالظَّاهِرُ مُرْتَبِطٌ بالباطنِ أتَمَّ ارْتِبَاطٍ، فإذا اسْتَحْكَمَتْ الصِّفَاتُ الْمَذمُومَة في النفْسِ قَوِيَتْ على قَلْبِ الصُّورَةِ الظَّاهِرَة، ولِهَذَا خَوَّفَ النبي صلى الله عليه وسلم مَنْ سَابَقَ الإِمَامَ فِي الصَّلاَةِ بِأنْ يَجْعَلْ الله صُورَتَهُ صُورَةَ حِمَارٍ [7] لِمُشَابَهَتِهِ للحِمَارِ في البَاطِنِ فإِنَّه لَمْ يَسْتَفِدْ بِمُسابَقَةِ الإِمامِ إلاَّ فَسَاد صَلاَتِهِ وبُطْلاَن أجْرِهِ، فإنَّه لاَ يُسَلِّمُ قَبْلَهُ فهُوَ شَبِيهٌ بِالْحِمَارِ فِي البَلاَدَةِ وعَدَم الفِطْنَةِ؛ إذَا عُرِفَ هذا فَأحَقُّ الناسِ بالْمَسْخِ هؤلاء الذين ذُكِرُوا في هذه الأحَادِيثِ) انتهى [8] .

يُرِيد رحمه الله أحاديثَ الْمَعَازِفِ والقَيْنَاتِ والْخَمْرِ، ونَحْو ذلك، حيثُ ذَكَرَهَا قبلَ هذا الكلامِ، والشَّاهِدُ هنا أن نقول: الوَيْلُ لِمَن سَبَّ الله ورسُولَه ودِينَه وعِبَادَه الصَّالِحِين فإنَّ عقوبتَه أشَدُّ.

ثم قال رحمه الله بعدَ ذلك: (فَهُمْ أسْرَعُ الناس مَسْخًا قِرَدَةً وخَنَازِير لِمُشابَهَتِهِمْ لَهُمْ في البَاطِنِ وعقُوبَاتُ الرَّبِّ تعالَى - نَعُوذُ بِاللهِ مِنْهَا - جَارِيَةٌ عَلَى وَفْقِ حِكْمَتِهِ وَعَدْلِهِ) انتهى [9] .

والكلام على تلك الكلمة الكُفْرِيَّة السَّاقطة (حُرِّية الرأي والتعبير) يَحْتَاجُ إلى مُؤلَّفٍ مُستقِلٍّ لأنَّ أدِلَّةَ بُطلاَنِهَا وضلالِ قائلِهَا أكثر مِنْ أنْ تُحصَر!، ولكنَّ الْمُراد هنا أنه كيف يَتَّفِق حُبٌّ في الله وبغضٌ فيه وموالاةٌ ومعاداةٌ مع هذه الكلمة

(1) سورة النساء، آية: 109.

(2) سورة الأنعام، من الآية: 123.

(3) «أعلام الموقعين عن رَبِّ العالمين» ، (3/ 163 - 164) .

(4) سورة البقرة، آية: 9.

(5) سورة الأنفال، من الآية: 30.

(6) أخرجه ابن بطة في «إبطال الْحِيَل» برقم (56) من حديثِ أبي هريرة رضي اله عنه؛ وحسَّن إسنادَه شيخُ الإسلامِ في «مجموع الفتاوى» (29/ 29) .

(7) أخرجه البخاري في «صحيحه» برقم (659) ، ومسلم في «صحيحه» برقم (427) من حديثِ أبي هريرة رضي اله عنه.

(8) «إغاثة اللهفان من مصائد الشيطان» ، (1/ 267) .

(9) المصدر السابق.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت