الصفحة 35 من 37

(حرية الرأي) ، ومَن اعتقد ذلك فهو كافر لأنَّ معناه أنَّ لكل أحدٍ أن يعتقد ما يشاء ويقول ما يشاء بلاَ ضابط شرعي والله سبحانه يقول: {وَلَقَدْ قَالُوا كَلِمَةَ الْكُفْرِ} [1] ، وقال سبحانه: {مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ} [2] .

والْمُسلم يَكْفُرُ بِكَلِمَةٍ يقولها، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث الصَّحِيحِ: (إِنَّ الْعَبْدَ لَيَتَكَلَّمُ بِالْكَلِمَةِ مِنْ رِضْوَانِ اللَّهِ لاَ يُلْقِي لَهَا بَالًا يَرْفَعُهُ اللَّهُ بِهَا دَرَجَاتٍ، وَإِنَّ الْعَبْدَ لَيَتَكَلَّمُ بِالْكَلِمَةِ مِنْ سَخَطِ اللَّهِ لاَ يُلْقِي لَهَا بَالًا يَهْوِي بِهَا فِي جَهَنَّمَ) [3] ، وقال صلى الله عليه وسلم: (إِنَّ الْعَبْدَ لَيَتَكَلَّمُ بِالْكَلِمَةِ مَا يَتَبَيَّنُ مَا فِيهَا يَهْوِي بِهَا فِي النَّارِ أَبْعَدَ مَا بَيْنَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ) [4] ، فهَذِه الكَلمةُ أوْرَدَتْ قائلَها النارَ فانظر حصائدَ الألْسُنِ كيف كانت عواقبها؟!.

وقد قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: (وَأَمَّا قَوْلُ الْقَائِلِ: «كَلٌّ يَعْمَلُ فِي دِينِهِ الَّذِي يَشْتَهِي» فَهِيَ كَلِمَةٌ عَظِيمَةٌ يَجِبُ أَنْ يُسْتَتَابَ مِنْهَا وَإِلاَّ عُوقِبَ؛ بَلْ الإصْرَارُ عَلَى مِثْلِ هَذِهِ الْكَلِمَةِ يُوجِبُ الْقَتْلَ؛ فَلَيْسَ لِأَحَدِ أَنْ يَعْمَلَ فِي الدِّينِ إلاَّ مَا شَرَعَهُ الله وَرَسُولُهُ دُونَ مَا يَشْتَهِيهِ وَيَهْوَاهُ، قَالَ الله تَعَالَى: {وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنَ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِنَ اللَّهِ} [5] ، وَقَالَ تَعَالَى: {وَإِنَّ كَثِيرًا لَيُضِلُّونَ بِأَهْوَائِهِمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ} [6] ، وقال {وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ} [7] ، وَقَال: {وَلاَ تَتَّبِعُوا أَهْوَاءَ قَوْمٍ قَدْ ضَلُّوا مِنْ قَبْلُ وَأَضَلُّوا كَثِيرًا وَضَلُّوا عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ} [8] .

وذَكَر رحمه الله آيات أخرى كثيرة بِهَذا الشَّأنِ، ثم قالَ: (فَتَبَيَّنَ أَنَّ عَلَى الْعَبْدِ أَنْ يَتَّبِعَ الْحَقَّ الَّذِي بَعَثَ اللَّهُ بِهِ رَسُولَهُ وَلاَ يَجْعَلَ دِينَهُ تَبَعًا لِهَوَاهُ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ) انتهى [9] .

فتأمَّل ذلك تعلَمْ أنَّ مُرادَ القومِ من (حرية الرأيِ والتعبير) هو الفِرَارُ من الْحِسَاب الشَّرْعِي واتباع الْهَوى!، وذلك في حقيقته دعوة إلى الكفر بحيث مَن أراد أن يتكلم بالكفر فله ذلك باعتبار أنَّ دين إبليس هو (حُرِّية الرأيِ والتعبير) حتى لو قال شَخْصٌ: (الله والشيطانُ وجهانِ لِعُمْلَةٍ واحدة!) - قطع الله لسانه وبَطَشَ به - فلَه حرية التعبير!، أيْ ينوب عن إبليس!؛ وهؤلاء هُم أهلُ هذا البيتِ الذي قاله ابن القيِّم رحمه الله:

هَرَبُوا مِنَ الرِّقِّ الَّذِي خُلِقُوا لَهُ فَبُلُوا بِرِقِّ النَّفْسِ وَالشَّيْطَانِ! [10]

وهؤلاء إنَّما نادَوْا بِمَا يُسمونه (حرية الرأيِ والتعبير) بعد أنْ نَبَذوا القرآنَ وَرَاء ظهُورِهمْ لِفِتنتهم بالغَرْب الكافِرِ وخوارقه الشَّيطَانية؛ قال شيخ الإسلام رحمه الله: (فَعَدَلَ كَثِيرٌ مِنْ الْمُنْتَسِبِينَ إلَى الإِسْلاَمِ إلَى أَنْ نَبَذَ الْقُرْآنَ وَرَاءَ ظَهْرِهِ وَاتَّبَعَ مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ، فَلاَ يُعَظِّمُ أَمْرَ الْقُرْآنِ وَنَهْيَهُ وَلاَ يُوَالِي مَنْ أَمَرَ الْقُرْآنُ بِمُوَالاَتِهِ وَلاَ يُعَادِي مَنْ أَمَرَ الْقُرْآنُ بِمُعَادَاتِهِ؛ بَلْ يُعَظِّمُ مَنْ يَاتِي بِبَعْضِ الْخَوَارِقِ؛ ثُمَّ مِنْهُمْ مَنْ يَعْرِفُ أَنَّهُ مِنْ الشَّيَاطِينِ؛ لَكِنْ يُعَظِّمُهُ لِهَوَاهُ وَيُفَضِّلُهُ عَلَى طَرِيقَةِ الْقُرْآنِ؛ وَهَؤُلاَءِ كُفَّارٌ قَالَ اللَّهُ تَعَالى فِيهِمْ: {أَلَمْ تَرَ إلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ .. } [11] انتهى [12] .

ويُوضِّح مقاصدَ مَن أحدثوا ما سَمَّوْه (حريةَ التعبيرِ) أنه لا مُقَابل له إلاَّ التقيُّد بالشريعة، وهم يقصدون التفَلُّت منها بألاَّ تكون ميزان أقوالهم وأفعالهم، وتأمَّل: (أَمُؤَاخَذُونَ بِمَا نَتَكَلَّمُ بِهِ) وجوابه صلى الله عليه وسلم على ذلك حيث جاء في حديث معاذ بن جَبل، وفي آخره قال مُعاذ رضي اله عنه: فأخَذَ رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم بِلِسَانِهِ فقال (كُفَّ عَلَيْكَ هَذَا) ، فقلتُ: يا نبي الله: وإنا لَمُؤَاخَذُونَ بِمَا نتكَلَّمَ بِهِ؟!؛ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ثَكِلَتْكَ أُمُّكَ يَا مُعَاذُ!، وَهَلْ يَكُبُّ النَّاسَ فِي النَّارِ عَلَى وُجُوهِهِمْ أَوْ عَلَى مَنَاخِرِهِمْ إِلاَّ حَصَائِدُ أَلْسِنَتِهِمْ!) [13] .

وآخِرُ ما بَلَغني عَمَّن يَحتج بِحُرية التعبير أنَّ ضَالاًّ يُترْجِم (روايةً) تتضمَّن ترويج نظريةَ القِرْد «داروين» الكُفرية الْمَسْخِيَّة [14] بدعوى حرية التعبير!.

ومِن هذا البابِ ما زعَمَهُ بعضُ الضُّلاَّلِ وأهلِ النِّفَاق أنَّ مَن كتَب قِصَّةً خَيَالية يُسمُّونَهَا (رِوَايةً) وجعْل بعض شَخصِيَّاتها يَتكَلَّم بكلامِ كُفْرٍ ولَوْ كان سَب الإله سُبحانه أنه لاَ يَكْفُر لأنَّ الشَّخْصِيَّةَ هي التي تَتَحَدَّث مَع أنه ليس هناك شَخْصية بل الرَّاوي هُو الذي تَحَدَّثَ!، فكَانَ كَمَن جَمَع حَشَفًا وسُوءَ كَيْلَةٍ حيثُ اقترف الكَذِب فِي ذِكرِهِ شَخصياتٍ وَهْمِيَّةٍ لاَ حقيقة لَهَا وحَسْبك أنَّ من آياتِ الْمُنافق أنه إذا حدَّثَ كذَبَ! [15] ، وجَمَع مَع كَذِبِهِ سبَّه لله {سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يَقُولُونَ عُلُوًّا كَبِيرًا} !، ومع ذلك يأتِي بعضُ الْمُنافقين ويزعم بأنه لا بأسَ بذلك طَالَمَا أنَّ كاتِبَه لاَ يَنسب ذلك لنفْسِه!؛ ولاَ عَجَبَ فَزَمَاننا زمن العجائبِ والغَرائب!؛ وجوابُ هذا أنَّ الكاتب إذا ساقَ ذلك الكلام الكُفْري عن

(1) سورة التوبة، من الآية: 74.

(2) سورة ق، آية: 18.

(3) أخرجه البخاري في «صحيحه» برقم (6113) من حديث أبي هريرة رضي اله عنه.

(4) أخرجه البخاري في «صحيحه» برقم (6112) ، ومسلم برقم (2988) من حديث أبي هريرة رضي اله عنه.

(5) سورة القَصَص، من الآية: 50.

(6) سورة الأنعام، من الآية: 119.

(7) سورة ص، من الآية: 26.

(8) سورة المائدة، من الآية: 77.

(9) «مجموع الفتاوى» ، (22/ 240 - 241) .

(10) «الكافية الشافية بشرح ابن عيسى"توضيح المقاصد"» ، (2/ 466) .

(11) سورة النساء، الآية: 50.

(12) «مجموع الفتاوى» (14/ 227) ؛ وأورد ذلك الإمام محمد بن عبد الوهاب في «135 فائدة من فتاوى شيخ الإسلام» ص (27) .

(13) أخرجه ابن ماجه في «سننه» برقم (3963) ، أخرجه النسائي في «سننه الكبرى» برقم (11394) وأحمد في «مسنده» برقم (21008) ، وأخرجه الترمذي برقم (2541) وقال: (هذا حديث حسَن صحيح) ، وصحَّحه الإمام ابن القيم في «أعلام الموقعين» (4/ 259) .

(14) والقائمة على أنَّ أصل الإنسان من قرد!، وقد فندَنا - بحمد الله تعالى - مزاعمه بالأدلة النقلية والعقلية في كتابنا «وِحْدة الوجود العصرية» .

(15) وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (آيَة المنافق ثلاث: إذا حَدَّث كَذَب، وإذا وَعَد أخلَف، وإذا اؤتمن خَانَ) أخرجه البخاري في «صحيحه» برقم (33) ومسلم برقم (59) من حديث أبي هريرة رضي اله عنه؛ وقال النبي صلى الله عليه وسلم: (عليكم بالصِّدق فإنَّ الصدق يهدي إلى البِرِّ، وإن البر يهدي إلى الجنة، وإن الرجل ليصدق ويتحرى الصدق حتى يُكتب عند الله صِدِّيقًا؛ وإياكم والكَذِب فإنَّ الكَذِب يَهدي إلى الفجُور، وإن الفجورَ يهدي إلى النار، وإن الرَّجُل لَيكْذِب ويتحرَّى الكَذِب حتى يُكتب عند الله كَذابًا) أخرجه مسلم في «صحيحه» برقم (2607) ، وغيره، من حديث عبد الله بن مسعود رضي اله عنه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت