فإذا تأملت في كل ما نقلناه عنه هاهنا، وأمعنت فيه النظر، وتدبرته كلمة كلمة، لظهر لك جليًا أنه في حقيقة أمره لم يتعد تقرير وإثبات تكفير الصحابة لأتباع المتنبئين، غير أنه عدل عن استخدام بعض الألفاظ الخاصة بالحادثة (كالأتباع) و (المتنبئين) إلى ألفاظ يدخل فيها جنود وأعوان الحكام المرتدين، لشمولها لهم، فبدلًا من لفظ (الأتباع) استخدم (الأنصار والجنود) وذلك لأن من خصص لهم البحث هم (أنصار وجنود) ، وبدلا من (المتنبئين) آثر استعمال كلمة (أئمة الردة) لشمول هذا اللفظ للحكام المرتدين ودخولهم فيه، فوفد بزاخة الذين جاءوا للصديق ـ رضي الله عنه ـ هم أتباع طليحة الأسدي المتنبئ الكذاب، وكانوا قد ارتدوا لاتباعهم له وتصديقهم بنبوته، وهم الذين خاطبهم أبو بكر بقوله: (وتكون قتلاكم في النار) الذي تمسك به الشيخ عبد القادر للحكم على (أنصار أئمة الردة) على التعيين، ولا شك أن كفر هؤلاء المتبعين للمتنبئ الكذاب ومن شاكلهم يكون على التعيين، وهو أشهر وأظهر وأبين من أن يحتاج إلى مثل هذه الأدلة الجزئية التي لتطرق الاحتمال إليها مجال واسع، إذ إن ردتهم وكفرهم على التعيين لا يختلف فيه اثنان، لأنه مما علم من الدين بالضرورة، بل إن التعلق بمثل هذه العبارة وغيرها من الأدلة الجزئية، والاستدلال بها على كفر هؤلاء على التعيين، يضعف قوة القطع والجزم بكفرهم ويفتح بابا عريضا للمناقشة والأخذ والرد، والاعتراضات والإيرادات، وأمرهم كما هو معلوم قد تجاوز هذه المرحلة وتخطاها، بحيث صار مقطوعا به ومستيقنًا منه، لا مجال للشك أو التشكيك فيه.
أما عما نقلناه من كلامه قبل قليل، فإنه قد تضمن أمورا نذكرها أولا ثم نعقب على ما يحتاج منها إلى تعقيب:
الأمر الأول: - إجماع الصحابة على تكفير أنصار أئمة الردة وجنودهم على التعيين.
الأمر الثاني: - أن الإجماع مأخوذ من موافقة عمر وسائر والصحابة على قول أبي بكر (وتكون قتلاكم في النار) ، ومتابعتهم له على ذلك.
الأمر الثالث: - الحكم بتكفيرهم على التعيين مأخوذ من قول أبي بكر: (وتكون قتلاكم في النار) ، إذ لا خلاف في أن القتلى أشخاص معينون.
الأمر الرابع:- لا خلاف بين أهل السنة أنه لا يشهد لمعين بالنار إلا لمقطوع بكفره، فهذا يشهد له بها، ويحكم عليه بأنه من أهلها.