من الفريقين رأس وزعيم في الردة يلتفون حوله ويناصرونه على كفره، إلا أن هذا وحده لا يصلح أن يعول عليه في جعلهم سواء، ما دام كفر المتنبئين وأتباعهم مما هو معلوم من الدين بالضرورة، وهذا شئ يختصون به عن هؤلاء، كما اختصوا به عن مانعي الزكاة، حيث لم يجعل كفرهم ثابتا بإجماع الصحابة القطعي الذي يكفر مخالفه، فإذا كان مانعو الزكاة الذين قاتلهم الصحابة مع أتباع المتنبئين في الزمن نفسه لم يكونوا على درجة واحدة من الحكم معهم، حيث لم يدع أحد أن كفرهم ثابت بإجماع الصحابة القطعي، فكيف يجعل أنصار الحكام المرتدين الذين بينهم وبين المتنبئين وأتباعهم كل هذه العصور والدهور- زيادة على الفروق الأخرى - على مرتبة واحدة من الحكم، بل وفوق ذلك يقال إن ذلك الحكم وهو كفرهم على التعيين ثابت بإجماع الصحابة القطعي!.
وهذا هو الوصف الثالث والأخير من أوصاف العلة المركبة التي استخلصناها ولخصناها من عبارات الشيخ المتكررة، وكما ذكرنا من قبل فإن تأثير هذا الوصف في الحكم كما يفهم من كلام الشيخ، هو تعيين التكفير للممتنعين، بمعنى أن الحكم بالكفر يصير بالامتناع منسحبا على كل فرد من أفراد الطائفة من غير تبين لتوفر الشروط وانتفاء الموانع في حقهم.
فالذي يفهم من التعليل عند قوله:- (لما كانوا ممتنعين بالشوكة) أن الصحابة - رضي الله عنهم - إنما حكموا على أنصار المتنبئين بالكفر على التعيين، من غير أن يتبينوا فيهم الشروط والموانع بسبب امتناعهم، ولولا ذلك لتوقفوا عن تكفيرهم عينا حتى يتبينوا فيهم الشروط والموانع، وهذا القول لا شك في بطلانه وفساده، لأن من صدق المتنبئين واتبعهم، لا يحتاج في تكفيره إلى تبين الشروط والموانع، لعدم الاعتداد بها في حقه أصلا حاشا الإكراه المعتبر، وهذا يمكن أن يوجد في الممتنع وغيره على حد سواء والأصل عدمه، أما الجهل والتأويل فلا وجه لذكرهما أو افتراض وجودهما في حق المتنبئين وأتباعهم، بل هم كفار على التعيين بكل حال، امتنعوا أم لم يمتنعوا، ناصروا أم لم يناصروا، جهلوا وتأولوا أم علموا وجحدوا، وقد نقلنا ما يدل على ذلك قريبا من كلام الإمامين الجليلين ابن حزم ومحمد بن عبد الوهاب، ومما يستدل به على ذلك أي تكفير من اتبع وصدق مدعي النبوة من غير تبين لتوفر الشروط والموانع في حقه ولو لم يكن ممتنعا، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - لما جاءه رسول مسيلمة الكذاب وهو عبد الله بن النواحة وشهد هذا الرسول أن مسيلمة رسول