القول لا يقوله أو يقبله أحد، فما هو الفرق بين المقولتين الذي جعل الأولى عامة وشاملة لكل (أنصار الطواغيت) ممن قيلت فيهم وغيرهم، بينما المقولة الثانية مقصورة ومحصورة فيمن وردت فيهم فحسب؟.
رابعا: - ما ذكر في هذا الاعتراض يدعم ويقوي ما ذكرناه من أن القرينة المصاحبة للعبارة هي التي تعين المراد وتحدد المقصود، يبين ذلك أن شهادة أبي بكر والصحابة معه لأولئك القتلى من المسلمين وثناءهم عليهم خيرا، هي التي جعلتنا نحمل العبارة على التعيين - إن صح هذا الحمل - فلولا وجود اتفاقهم على الثناء وتواطؤهم على التزكية لما كان حمل العبارة على التعيين متوجها، فالإجماع المذكور على الثناء هو القرينة التي حددت المراد من اللفظ وليست العبارة بمجردها، يبين ذلك أن من يحمل شهادة أبي بكر والصحابة لقتلى المسلمين على التعيين يجعل الدليل على ذلك ثناءهم عليهم خيرًا بغض النظر عن العبارة التي تم بها هذا الثناء، وذلك لأن السنة دلت على أن من أثنى عليه المسلمون خيرا وجبت له الجنة، ولم تحدد الصيغة أو اللفظة التي يكون بها هذا الثناء. ولهذا قال شيخ الإسلام - رحمه الله: (والقول بكون الرجل المعين من أهل الجنة قد يكون سببه إخبار المعصوم، وقد يكون سببه تواطؤ شهادات المؤمنين الذين هم شهداء الله في الأرض، كما في الصحيح عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه مُرَّ عليه بجنازة ... إلخ) [منهاج السنة النبوية 3/ 497] ، فهو قد جعل السبب الثاني (( تواطؤ الشهادات ) )وليس مجرد وجود الشهادة. وهذا شبيه بما قاله النووي - رحمه الله - فيما نقلنا عنه قريبا (فألهم الله الناس أو معظمهم الثناء عليه) والله أعلم.
إذا اعتبرنا أن دلالة قول أبي بكر (وتكون قتلاكم في النار) على ما ذهب إليه الشيخ عبد القادر صحيحة، وأن شهادة أبي بكر والصحابة معه بالنار قصد بها أعيان قتلى المرتدين، لأن القتلى أشخاص معينون، فمع هذا فهناك أمور ينبغي الوقوف، عليها والتأمل فيها، نذكرها تباعا إن شاء الله. الأول: من ضمن ما ذكره الشيخ عبد القادر أن النار لا يشهد بها لمعين إلا لمقطوع بكفره، وتجدر الإشارة إلى أن معنى القطع بكفره، الحكم عليه بالكفر ظاهرًا (أي في أحكام الدنيا) ، وعلى الحقيقة (أي في أحكام الآخرة) ، والتي منها الحكم عليه بالنار وأنه من أهلها الخالدين فيها، وذلك بناء على العلم بعدم وجود شيء من موانع التكفير عند من حكم بكفره.