خلاصة أثر كل جزئية من جزئيات العلة في الحكم الذي قرره، فهل يا ترى يتوجه التعليل بهذه الطريقة ويستقيم بها الاستدلال؟ وما مدى صحة جعل مجموع هذه الأوصاف قاسما مشتركا يربط بين الواقعتين؟ يتبين هذا - إن شاء الله - عند معرفة كل جزئية من أجزاء (العلة المركبة) ، والكشف عن مدى حقيقة تأثيرها في الحكم وجودا وعدما.
مما لاشك فيه أن مناصرة الكفار - مرتدين كانوا أو أصليين - على المسلمين ومظاهرتهم لهم كفر أكبر مخرج من الملة، وهو أحد نواقض الإسلام التي عددها الإمام محمد بن عبد الوهاب - رحمه الله -، كما أنه لا ريب في وجود هذه المناصرة وقيامها في حق أنصار الحكام المرتدين وجنودهم، والأمر كذلك في حق من قاتل مع المتنبئين وشد أزرهم وقوى شوكتهم، ولكن السؤال الذي ينبغي أن يجاب عنه بوضوح: هل كان تكفير الصحابة - رضي الله عنهم - لأنصار المتنبئين بسبب مناصرتهم لهم، وذودهم عنهم؟ أم أن السبب الحقيقي والمرجع الأساسي في ذلك هو تصديقهم للمتنبئين في دعوى النبوة؟ وبمعنى آخر هل التفت الصحابة إلى مناط (المناصرة) في حقهم فجعلوه محور حكمهم وقطب رحاه، أم أنهم اكتفوا منهم باتباعهم وتصديقهم للمتنبئين، في حكمهم عليهم بالردة؟
قد ذكرنا سابقا أنه ليس عند أي مسلم أدنى ارتياب أو شك في أن من ادعى النبوة بعد النبي - صلى الله عليه وسلم - أو معه كهؤلاء المذكورين - مسيلمة وطليحة وسجاح والعنسي - وكل من شاكلهم، لاشك أنه كافر كفرا أكبر مخرجا من الملة بمجرد دعواه تلك، امتنع أم لم يمتنع، وكذلك كل من اتبعه وصدقه في ما ادعاه هو كافر مثله سواء بسواء، امتنع أم لم يمتنع، ناصر أم لم يناصر، وما امتناعه ومناصرته إياه إلا ازدياد في كفره، وتماد في بغيه وغيه، وهذا أمر معلوم من دين الإسلام بالضرورة، يستوي فيه الخاصة والعامة، فلا معنى إذن لذكر المناصرة في حق من كان هذا حاله، إذ لا تأثير لها في أصل حكم التكفير البتة، وذلك لوجود المتابعة للمتنبئين والتصديق بهم وهذا أشمل وأعم من مجرد المناصرة، وتأثيره في الحكم ألصق وأقوى وأكثر، فالعبارة الصحيحة التي ينبغي استخدامها والتعويل عليها في حق من قاتلهم الصحابة هي (أتباع المتنبئين) ، وليسوا (أنصار أئمة الردة) فقط، فمن المعلوم بداهة أن التابع قد يكون مناصرا لمتبوعه وقد لا يكون كذلك، فهو أعم من المناصر، فكل مناصر تابع، وليس كل تابع مناصرا، فالمناصر يندرج ويدخل في الأتباع ولا عكس،