الصفحة 76 من 83

لعدم العلم بالمخالف، ولكن لا يستطيع أحد أن يجزم جزمًا لا ارتياب فيه أن وقائع هذه الحادثة وكل جزئياتها قد بلغت جميع الصحابة، ومن ثَمَّ وافقوا وأقروا كل ما جاء فيها من أحكام.

قال الشيخ عبد الوهاب خلاف: (ومن رجع إلى الوقائع التي حكم فيها الصحابة واعتبر حكمهم فيها بالإجماع، يتبين أنه ما وقع إجماع بهذا المعنى، وأن ما وقع إنما كان اتفاقا من الحاضرين من أولى العلم والرأي على حكم في الحادثة المعروضة، فهو في الحقيقة حكم صادر عن شورى الجماعة لا عن رأي الفرد، فقد روي أن أبا بكر كان إذا ورد عليه الخصوم ولم يجد في كتاب الله ولا في سنة رسوله ما يقضي بينهم، جمع رؤوس الناس وخيارهم فاستشارهم فإن أجمعوا على رأي أمضاه، وكذلك كان يفعل عمر، ومما لا ريب فيه أن رؤوسهم وخيارهم الذين كان يجمعهم أبو بكر وقت عرض الخصومة ما كانوا جميع رؤوس المسلمين وخيارهم، لأنه كان منهم عدد كثير في مكة والشام واليمن وفي ميادين الجهاد، وما ورد أن أبا بكر أجّل الفصل في خصومة حتى يقف على رأي جميع مجتهدي الصحابة في مختلف البلدان، بل كان يمضي ما اتفق عليه الحاضرون لأنهم جماعة، ورأي الجماعة أقرب إلى الحق من رأي الفرد وكذلك كان يفعل عمر، وهذا ما سماه الفقهاء الإجماع) [علم أصول الفقه 50]

ومن هنا فإن الانضباط بالقواعد الأصولية وإجراءها إجراءً دقيقًا في حادثة وفد بزاخة المذكورة، يجعل كل حكم وارد في هذه الحادثة هو من قسم الإجماع السكوتي، بما في ذلك الحكم على قتلى اتباع المتنبئين بأنهم في النار الناتج عن تكفيرهم، ومن ثَمَّ فهي أحكام ظنية، وهذا لا يقوله أحد بالنسبة لتكفير أتباع المتنبئين، لأن الحكم عليهم بالكفر والشهادة على قتلاهم بالنار ليست من المسائل الاجتهادية الجزئية التي يختلف فيها النظر، ويُعمَل فيها الفِكَر، بل هو أمر معلوم من الدين بالضرورة، قد تجاوز مرحلة الاستدلال عليه بالأدلة الجزئية كصورة الإجماع المذكورة هنا، وهذا يؤكد ويثبت خصوصية هذه المسألة عن غيرها، فأنت ترى هنا أحكامًا متعددة اشتملت عليها واقعة واحدة - وهي حادثة وفد بزاخة - ومع ذلك حُكِم على بعض تلك الأحكام بأنها قطعية، والبعض الآخر بأنها أحكام ظنية قد اختلف فيها العلماء، مع أن الكل قد وقع في زمن واحد وبحالة وهيئة متساوية، ونقل بطريقة واحدة، فإذا لم يكن مرد هذا التفريق إلى خصوصية تعلقت بما قطع به من الأحكام لكان ذلك تفريقًا بين المتماثلات من غير موجب، وهذا لا يقبله أحد، مما يبين أن القطع بتكفير أتباع المتنبئين ليس مرجعه مثل هذه الأدلة الجزئية، بل إن تطرق

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت