الصحابة في هذه المسألة من أقوى الإجماعات صحة وثبوتًا) [الجامع في طلب العلم الشريف 2/ 558]
في كثير من الأحيان يكتسب الإجماع قوة دلالته وقطعيته من واقع المسألة التي انعقد حولها بأن يكون على مسألة من المسائل المعلومة من الدين بالضرورة، بحيث يكفر كل من خالف في ذلك الحكم المجمع عليه، وفي مثل هذه الحالة يُتساهل كثيرًا في عدم اعتبار توفر كل الشروط التي يحكم معها على الإجماع بأنه قطعي، وذلك لأنه استعاض عنها بقوة المسألة المجمع عليها، ولهذا تجد صورة معينة للإجماع عندما تتنزل على واقعة معينة ومسألة محددة يكون إجماعًا قطعيًا يكفر مخالفه، بينما لو أخذت عين الصورة ونفس الهيئة وأسقطتها على مسألة أخرى مغايرة للأولى لكان الإجماع ظنيًا تقدم عليه النصوص الأقوى ثبوتًا ودلالة، ومثل هذا يبين أن قوة الإجماع وقطعيته نابعة وصادرة من أصل المسألة التي انعقد الإجماع عليها، وليس مرجعه ومرده إلى مجرد صورة وهيئة الإجماع، مما يعطي تلك المسألة خصوصية تنفرد بها عن غيرها وتتميز بها عن سواها.
وفي مثل هذا النوع يقول الجصاص الحنفي: - (وإجماع آخر: وهو ما تشترك فيه الخاصة والعامة كإجماعهم على تحريم الزنى والربا ووجوب الاغتسال من الجنابة والصلوات الخمس ونحوها، فهذه أمور علم اتفاق المسلمين عليها وإن لم يحك عن كل واحد منهم بعينه اعتقاده والتدين به) [أحكام القرآن 1/ 264] ، وفيها يقول الشافعي أيضا: - (لست أقول ولا أحد من أهل العلم: هذا مجتمع عليه إلا لما لا تلقى عالما أبدا إلا قاله لك، وحكاه عمن قبله، كالظهر أربع، وكتحريم الخمر، وما أشبه هذا) [الرسالة 534] ، وبناء على كل ما سبق يتبين: أن ما ذكره الخطيب البغدادي - رحمه الله - من أن الإجماع قد يعرف بقول وإقرار، وبفعل وإقرار، فالمقصود به (الإجماع السكوتي) ، وقد أوضح ذلك بقوله: - (أن يقول بعضهم قولا، وينتشر في الباقي فيسكت عن مخالفته) ، وبقوله أيضا: (أن يفعل بعضهم شيئا، ويتصل بالباقين فيسكتوا عن إنكاره) ، وهذا واضح فإن علماء الأصول قد تنازعوا في السكوت هل يعد إقرارًا أم لا؟ قال صاحب المراقي:
وجَعْلُ من سَكتَ مثلَ مَنْ أقرْ فيه خلافٌ بينهم قد اشتهرْ
فالاحتجاجُ بالسكوتيِّ نما تفريعَه عليه مَنْ تَقدَّما