الصفحة 43 من 87

* وعن الزبير بن عدي قال: أتينا أنس بن مالك فشكونا إليه ما يلقون من الحجاج فقال: اصبروا فإنه لا يأتي عليكم زمان إلا الذي بعده شر منه حتى تلقوا ربكم سمعته من نبيكم صلى الله عليه وسلم [1] ، وقال ابن مسعود رضي الله عنه سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: (إن من شرار الناس من تدركهم الساعة وهم أحياء) [2] ، وقد أوصى كثير من الصحابة رضي الله عنه باتباع الحق دون النظر إلى عدد من يتبعه وترك الباطل وإن كان متبعيه هم الجمهور، وصدق من قال: اسلك طريق الحق ولا تغتر بقلة السالكين واجتنب طرق الباطل ولا تغتر بكثرة الهالكين.

فثبت بما ذكرنا كله أن العدد ليس بمقصود في قول النبي صلى الله عليه وسلم (فعليك بالجماعة) ، وأن الجماعة المقصودة في الأحاديث والتي أمر بلزومها هي من كان على الحق، وأن غالب الناس ليسوا هم أهل الجماعة، وأن المقصود اتباع الحق الذي أمر الله تعالى به ورسوله صلى الله عليه وسلم حيثما كان المرء وإن كان وحده، وقد رأينا كيف كان إمام أهل السنة والجماعة أحمد بن حنبل على الحق والناس كلهم - إلا النادر - على الباطل في محنة القول بخلق القرآن فثبت الله تعالى الإمام أحمد حتى رفع الله المحنة وفاء الناس إلى الحق.

ولذلك قال ابن القيم رحمه الله: واعلم أن الإجماع والحجة والسواد الأعظم هو العالم صاحب الحق وإن كان وحده وإن خالفه أهل الأرض، قال عمرو بن ميمون الاودى: صحبت معاذا رضي الله عنه فما فارقته حتى واريته في التراب بالشام ثم صبحت من بعده أفقه الناس عبد الله ابن مسعود رضي الله عنه فسمعته يقول: عليكم بالجماعة فإن يد الله مع الجماعة، ثم سمعته يوما من الأيام وهو يقول: سيولى عليكم ولاة يؤخرون الصلاة عن مواقيتها فصلوا الصلاة لميقاتها فهى الفريضة وصلوا معهم فإنها لكم نافلة، قلت: يا أصحاب محمد ما أدري ما تحدثون؟ قال: وما ذاك؟ قلت: تأمرني بالجماعة وتحضني عليها ثم تقول لي صل الصلاة وحدك وهي الفريضة وصل مع الجماعة وهي نافلة، قال: يا عمرو بن ميمون قد كنت أظنك من أفقه أهل هذه القرية أتدري ما الجماعة؟ قلت: لا، قال: إن جمهور

(1) رواه البخاري والترمذي وأحمد وابن حبان والبيهقي والطبراني وأبو يعلى.

(2) رواه البخاري وأحمد وابن خزيمة وابن حبان والبزار وابن أبي شيبة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت