الصفحة 49 من 87

قالوا فقد جعل النبي صلى الله عليه وسلم خير مال المسلم في زمن الفتن غنم يتبع بها رؤوس الجبال هربا من الفتن، وقالوا إن هذه الأدلة وغيرها مما كان في معناها موجبة لاعتزال المسلم كل أنواع الفتن حتى ينجو بدينه ولا يقع في المأثم، وهناك أدلة أخرى استدلوا بها لا تخرج عن معنى ما ذكرناه هنا.

والحقيقة أن هؤلاء قد جانبهم الصواب في استدلالهم هذا، ولازم ما قالوه هو تضييع كثير من الواجبات الشرعية وإهدار كل ما ورد من أدلة في التعاون والتناصر والتعاضد على إقامة هذه الواجبات وعلى رأسها الدعوة إلى الله تعالى والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والجهاد في سبيل الله، حيث أمر الله تعالى بقتال أهل الكفر والبغي والفساد في كثير من آيات القرآن ومن ذلك قوله تعالى (وقاتلوا المشركين كافة كما يقاتلونكم كافة) [1] ، وقوله تعالى في آية السيف (فإذا انسلخ الأشهر الحرم فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم وخذوهم واحصروهم واقعدوا لهم كل مرصد) [2] ، وقوله تعالى (قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر ولا يحرمون ما حرم الله ورسوله ولا يدينون دين الحق من الذين أوتوا الكتاب حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون) [3]

وقد بين النبي صلى الله عليه وسلم أن الجهاد ماض إلى يوم القيامة كما جاء عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله فمن قال لا إله إلا الله فقد عصم مني نفسه وماله إلا بحقه وحسابه على الله) [4] ، فلم يقيد النبي صلى الله عليه وسلم وجوب القتال بزمان دون زمان، وقد أخبر النبي صلى الله عليه وسلم أن الطائفة المنصورة التي تقاتل على الحق باقية إلى قيام الساعة وهذا يقتضي استمرار الجهاد طالما بقيت هذه الطائفة وستأتي نصوص الأحاديث الدالة على ذلك.

وفي استمرا الجهاد ودوامه روى البخاري رحمه الله من حديث عروة البارقي رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (الخيل معقود في نواصيها الخير إلى يوم القيامة الأجر والمغنم) [5] ، وبوب عليه باب الجهاد ماض مع البر والفاجر، فإن النبي صلى الله عليه وسلم قد بين في هذا الحديث أن الجهاد لا ينقطع إلى يوم القيامة ولا يخصص هذا بزمان الفتن، لأن الخير معقود بالخيل التي هي آلة الجهاد إلى يوم القيامة، ولذلك قال الحافظ ابن حجر رحمه الله: قوله (باب الجهاد ماض مع البر والفاجر) هذه الترجمة لفظ حديث أخرجه بنحوه أبو داود وأبو يعلى مرفوعا وموقوفا عن أبي هريرة رضي الله عنه ولا

(1) سورة التوبة، الآية: 36.

(2) سورة التوبة، الآية: 5.

(3) سورة التوبة، الآية: 29.

(4) رواه البخاري ومسلم والترمذي والنسائي وأبو داود وأحمد وابن ماجة والدارمي عن ابن عمر وأنس وأبي هريرة وجابر ومعاذ وأوس بن أبي أوس الثقفي رضي الله عنه بألفاظ متقاربة.

(5) رواه البخاري في باب الجهاد ماض مع البر والفاجر ومسلم والترمذي والنسائي وأحمد وابن ماجة ومالك عن عروة البارقي وأبي هريرة وجابر وسلمة بن نفيل الكندي رضي الله عنه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت