الثانية ناقضة للأولى، فحينئذٍ يُنزل أو يقال بأنه جحد وحدانية الله تعالى، بمعنى أنه لم يأتِ بشيءٍ من توحيد الألوهية البتة، ولو كان في ظاهره أنه، ماذا؟ أنه جعل الآلهة متعددة ـ جعل الله تعالى إله، وجعل المعبودات آلهة أخرى ـ حينئذٍ نقول الله معبود عندهم ـ لاشك في هذا ـ والآلهة معبودات عندهم، لكن لما صرفوا العبادة لغير الله صار ناقضًا لِـ عبادتهم لله تعالى؛ لأن شرط صحة العبادة لله الإخلاص، وهو منتفٍ في صرف العبادة لغيره ـ جل وعلا ـ، وإنما جعله مفتريًا؛ لأنه قال زورًا وإفكًا بجحوده وحدانية الله تعالى، (وإقراره بأن الله ـ عز وجل ـ) وإقراره بأن لله ـ عز وجل ـ شريكًا من خلقه أو صاحبةً أو ولدًا، فقائل ذلك مفترٍ، وكذلك كل كاذبٍ فهو مفترٍ في كذبه مختلقٌ له ـ هذا كلام من ـ؟ ابن جرير ـ رحمه الله تعالى ـ، وقال في الآية الأخرى {وَمَن يُشْرِكْ بِاللهِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلاَلًا بَعِيدًا} [النساء116] ـ وليس مبينًا ـ أي: ومن يجعل لله في عبادته شريكًا فقد ذهب عن طريق الحق وزال عن قصد السبيل ذهابًا بعيدًا وزوالًا شديدًا؛ وذلك أنه بإشراكه بالله في عبادته فقد أطاع الشيطان وسلك طريقه، وترك طاعة الله ـ تعالى ـ ومنهاج دينه، (فذلك هو الضلال المبين) ، وذلك هو الضلال البعيد والخسران المبين {فَقَدْ ضَلَّ ضَلاَلًا بَعِيدًا} [النساء116] ضلال، لماذا؟ لأنه ضلّ الطريق، لم يعرف الطريق، قد اتخذ سببًا ليس بسبب شرعًا، الله ـ عز وجل ـ لم يأذن أن تُعبد هذه الأصنام (ويجعلَها سببًا) ، ويجعلْها سببًا موصلًا لرفع الحوائج للخلق إليه، بل قال تعالى: {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ} [الذاريات56] وعرّفنا معنى العبادة حينئذٍ يتوجه المسلم والموحد لعبادة ربه ـ جل وعلا ـ دون اتخاذ واسطة بينه وبين معبوده الحق سبحانه. ثم قال ـ رحمه الله ـ [وَدَلِيلُ الشَّفَاعَةِ، قَوْلُهُ تَعَالَى:] ، [وَدَلِيلُ الشَّفَاعَةِ، قَوْلُهُ تَعَالَى:] لأنه قلنا كأنه أراد أن يجمع بين اللفظين قربة وذكر دليلها، والشفاعة وذكر دليلها، وعرفنا المعنى اللغوي من الشفاعة. [وَدَلِيلُ الشَّفَاعَةِ، قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَيَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللهِ مَا لاَ يَضُرُّهُمْ وَلاَ يَنفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلاء شُفَعَاؤُنَا عِندَ اللهِ} [يونس: 18] .] يقولون: هذا يدل على المحذوف السابق إذا فسرنا القربة بمعنى الشفاعة؛ والعلة هي العلة، والمشرك هو المشرك، والمعبود الباطل هو عين المعبود الباطل، حينئذٍ دل على المحذوف الذي قدرناه في الآية السابقة، دل على المحذوف الذي قدرناه في الآية السابقة.