الدرس السادس
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين
أما بعد،،،
ذكرنا أن المقصود بالقاعدة الثانية التي قعّدها المصنف ـ رحمه الله تعالى ـ بالدلالة على أن الحُجة أو الشُبهة التي تمسك بها المشركون في صرف العبادة لغير الله أنهم أرادوا القربة، وأرادوا الشفاعة عند الله. وذكرنا أن المصنف ـ رحمه الله ـ قسم الشفاعة إلى شفاعتين وهذا أمرٌ مجمع عليه عند أهل العلم: شفاعة منفية، وشفاعة مثبتة. الشفاعة المنفية: وهي الشفاعة الشركية أن يتخذ العبد واسطة بينه وبين خالقه ـ جل وعلا ـ فيصرف له نوعًا من أنواع العبادة؛ من أجل أن يرفع حوائجه إلى الله تعالى، فقلنا هذا مرده إلى التسوية بين الخالق والمخلوق، والقياس ـ قياس الخالق (مع) على المخلوق ـ. يقول ابن تيمية ـ رحمه الله تعالى ـ مبينًا بيانًا واضحًا لهذه الشفاعة وحقيقتها يقول ـ رحمه الله ـ: فهذه الشفاعة التي يظنها المشركون هي منتفية يوم القيامة .. منتفية يوم القيامة كما نفاها القرآن وأخبر النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه يأتي فيسجد لربه ويحمده ـ لا يبدأ بالشفاعة أولًا، إذن يتقرب إلى الله ـ عز وجل ـ وهذا شأن النبي ـ عليه الصلاة والسلام ـ فغيره من باب أولى وأحرى ـ يأتي فيسجد لربه ويحمده ولا يبدأ بالشفاعة أولًا، ثم يقال له: ارفع رأسك، وقل يُسمع، وسل تعطى، واشفع تشفع، أُذِن له بعد السجود والمحامد فيُفتح عليه شيئًا لم يعلمه من قبل، وقال أبو هريرة - رضي الله عنه - له - صلى الله عليه وسلم: من أسعد الناس .. من أسعد الناس بشفاعتك .. من أسعد الناس بشفاعتك ـ أسعد هنا ليس على بابه؛ لأن لم تثبُت له الشفاعة مَن لم يكن ممن قال لا إله إلا الله خالصًا من قلبه، هذا ليس له حظ من .. من السعادة؛ لأن أفعل التفضيل المراد به التشريك بين أمرين، إلا أنه في المفضل أكثر من المفضل عليه، (زيدٌ أكرم من عمرو) زيدٌ عنده كرم، وعمرو عنده كرم، إذن اشتركا في أصل الصفة إلا أن زيد كرمه أكثر من كرم عمرو، هكذا، فإذا قيل المسلمون أوالموحدون أسعد بشفاعة النبي - صلى الله عليه وسلم - حينئذٍ المشركون تثبت لهم السعادة ـ إذا قيل أنها على بابها ـ لكن الصواب أنها ليست على بابها وإنما المراد أصل الصفة، إذن مَن أسعد الناس، من السعيد سعيدُ الناس بشفاعتك يوم القيامة، فقال ـ عليه الصلاة والسلام ـ"من قال لا إله إلا الله خالصًا من قلبه"قلنا أخرج طائفتين: طائفة المشركين: الذين لم يقولوا لا إله إلا الله فلا حظ لهم في الشفاعة، وأخرج الطائفة الثانية وهم: المنافقون وهم ممن قال لا إله إلا الله ولكن لم يكن خالصًا من .. من قلبهم. وأجمع أهل العلم على أن المنافقين أشد كفرًا (من الكفارَ) من الكفارِ الظاهرين بإجماع؛ بدليل أن الله تعالى رتب عليهم العقوبة الأخروية أغلظ مما رتب على الكفار {إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ} [النساء145] دل على ماذا؟ على عظم وقبح ما ..