قال المصنف هنا ـ رحمه الله ـ: الْقَاعِدَةُ الثَّانِيَةُ: يعني في بيان حجته، لماذا أشركتم؟ لماذا وقعتم في الشرك؟ إذا أقررتم بما سبق ـ بأن الله تعالى هو الخالق، هو المدبر، هو المتصرف ـ لماذا وقعتم في الشرك؟ ما حُجّتكم؟ ما هي الشبهة التي تعلقوا بها؟ قالوا: أنهم يقولون ـ (أنهم) الضمير هذا يقال فيه ضمير الحال والشأن، يعني: أن الحال والشأن إذا سُئلوا عن حجتهم في صرف العبادة لغير الله تعالى ـ (يقولون) يُجيبون [مَا دَعَوْنَاهُمْ وَتَوَجَّهْنَا إِلَيْهِمْ إِلا لِطَلَبِ الْقُرْبَةِ وَالشَّفَاعَةِ] أنهم يقولون: يعني: قلنا هذا في بيان حجة المشركين في صرف العبادة لغير الله مع كونهم مقرّين بجملة من أفراد توحيد الربوبية، قالوا: [مَا دَعَوْنَاهُمْ] (دعا) دعاء ـ والدعاء: هو العبادة ـ ما سألناهم ما [َتَوَجَّهْنَا إِلَيْهِمْ] بأن جُعلت هذه الأصنام وُجْهةً وقِبلةً يُتوجه إليها إلا .. ـ هذا استثناء مفرغ من عموم الأحوال ـ [إِلا لِطَلَبِ] ، [لِطَلَبِ] (اللام) هذه لام .. لام التعليل، إذن هذا الحكم معلل عندهم وقد حُصر بَـ أعلى صيغ الحصر ـ كما سيأتي ـ [ {مَا نَعْبُدُهُمْ إِلاَّ} [الزمر: 3] ]، {مَا نَعْبُدُهُمْ إِلاَّ} [الزمر: 3] ] هذا أعلى صيغ الحصر، ففيه إثبات للحكم المذكور، ونفيه عن ما عداه، إذن لم يكن ثَمّ علةٌ لتوجه المشركين بصرف العبادة لهذه الأصنام إلا لطلب القربة إلى الله تعالى، والشفاعة عنده، إلا لطلب القربة إلى الله، والشفاعة عنده ـ جل وعلا ـ، إذن هم وسطاء [ {مَا نَعْبُدُهُمْ إِلاَّ لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى} [الزمر: 3] ] إذن القاعدة الثانية: أنهم يقولون [مَا دَعَوْنَاهُمْ] وسألناهم [وَتَوَجَّهْنَا إِلَيْهِمْ] الضمير هنا ـ دعوناهم إليهم ـ المقصود به المعبودات، والأصل أن يقال ما دعوناها وتوجهنا إليها؛ لأن (هم) هذا في الأصل يُعتبر لِـ العقلاء، ولكن لما كان تنزيل العاقل، أو تنزيل هذا الصنم مُنزِّلة العاقل ـ لأنه كما سيأتي أنهم يعتقدون تناسخ الأرواح، وأن أرواح الملائكة أو الصالحين حلّت في هذه الأصنام ـ رُعي الأصل، وهو: أنهم عبدوا الملائكة، والملائكة عقلاء، عبدوا الرسول ـ - صلى الله عليه وسلم - ـ، والرسول عاقل، عبدوا جبريل، عبدوا الأولياء، عبدوا الصالحين، عبدوا المجاهدين. فكل وليّ صالح اتخذوه وسيلة بينهم وبين الله تعالى، فالأصل حينئذٍ المتوجّه إليه هو من العقلاء والقليل أنه يكون من غير العقلاء: كالصنم ونحو ذلك. [إِلا لِطَلَبِ الْقُرْبَةِ وَالشَّفَاعَةِ] فهم لا يعتقدون أنها آلهة مستقلة بل هي وسائط. والقربة والشفاعة هل هما متغايران أم بمعنى واحد؟ إذا نظرنا إلى المعنى اللغوي فالشفاعة أخص من .. من القربة، وإذا جئنا لاستعمال الشرع فحينئذٍ استعمل القربة بمعنى الشفاعة، فبينهما فرق من جهة المعنى اللغوي، وبينهما ترادف ـ والله أعلم ـ من جهة الاستعمال الشرعي، يعني: الزلفى القربة والشفاعة ـ في الشرع بمعنى واحد ـ حينئذٍ لماذا عطف المصنف الشفاعة على القربة مع كونهما مترادفين شرعًا؟ نقول: موافقةً للنص.