نأخذ من هذا أنهم يُثبتون الإلهية لله تعالى، وأثبتوها كذلك لمعبوداتهم تبعًا لا استقلالًا، فهي تُعبد تبعًا لا استقلالًا، بمعنى: أن هذه الأصنام التي توجهوا إليها بالنذر والذبح والاستغاثة والتبرك والطواف ونحو ذلك، إنما توجهوا إليها لا لكونها تُعبد أصالةً، بمعنى: أنهم يعترفون ويُقرون بأنها ليست آلهة أصلًا؛ لأنها لا تخلُق ولا ترزُق، وإنما الذي يُعبَد أصالةً هو الذي تفرّد بهذه الصفات، ولكن تعظيمًا لله، كما قال بعضهم: عظموا الله أرادوا أن يُعظموا الله فلما كان من شأن المخلوق الضعيف ـ الملك أو الحاكم ـ أنه لا يُدخل عليه في قضاء حوائج أنفسهم أو الناس على جهة العموم إلا بالوسطاء ـ شفاعة لابد من واسطة، يعني: أمورك لا تُقضى لك عند الوالي أو الملك إلا بماذا؟ إلا بأُناس مُقربين صُلحاء عنده، فيوصل (إليك) إليهم مطلوبك عن طريقه؛ ولذلك قال بعضهم:" (إن القياس) إن الشرك الأكبر كله مبناه على القياس"، قاسوا الربَّ ـ جل وعلا ـ على من؟ على المخلوق، قالوا: المخلوق هذا لا يمكن أن تُقضى حوائجه إلا بوساطة من؟ المُقربين إليه، فحينئذٍ قالوا: الله ـ جل وعلاـ ملك عظيم. فحينئذٍ لا تُقضى حوائجنا إلآ عن طريق المُقربين، ولذلك توجهوا إلى الصالحين، توجهوا إلى الملائكة، توجهوا إلى المخلوقات التي لا يُعرف أنها تذنب ونحو ذلك .. ، فجعلوها ماذا؟ واسطةً بينهم وبين الله تعالى؛ ولذلك القياس فيه تسوية بين الفرع والأصل، أليس كذلك؟ تسوية بين الفرع والأصل، ولذلك عرّف ابن القيم وغيره الشرك: بأنه تسوية الخالق بالمخلوق. وقيل: تشبيهٌ للخالق بالمخلوق. هذان تعريفان صحيحان، لكنه يبحث ـ هذا الحد ـ، يبحث في ماذا؟ في حقيقة الشرك، وأما عامة المسلمين فلا يقال بأن الشرك هو تسوية الخالق بالمخلوق وإنما يقال له دعوة غيره، يعني: ـ غير الله ـ مع الله، صرف نوع من أنواع العبادة لغير الله؛ لأن هذا الذي تُدركه عقولهم، وأما إذا بحثنا في أسرار ـ إن صحّ التعبير ـ الشرك، فهو: تسوية أو تشبيه، ولذلك جاء في القرآن {إِذْ نُسَوِّيكُم بِرَبِّ الْعَالَمِينَ} [الشعراء98] {نُسَوِّيكُم بِرَبِّ الْعَالَمِينَ} ففيه تسوية بين الفرع وَوالأصل، فحينئذٍ قاسوا الربَّ ـ تعالى ـ وهو الملك المعظم على المخلوق الضعيف، وهذا قياسٌ فاسدٌ من كل وجه.