الصفحة 100 من 166

وأقروا بالنص أن تلك المعبودات آلهةٌ عندهم فحينئذٍ الأصنام آلهة، والله تعالى إله، فجمعوا بين الآلهة وعبدوها معًا، لكن عبادتهم للأصنام لا على جهة الاستقلال، فهو إله لكنه ليس مستقل بالألوهية، والله تعالى إله وهو مستقل بالألوهية، إذن أثبتوا شيء من توحيد الألوهية كما أنهم أثبتوا جملةً من أفراد توحيد الربوبية فهي آلهةٌ، بل قد سمّاها الله تعالى آلهة، وهم اعترفوا بذلك في قولهم {أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ} [ص5] {أَجَعَلَ} يعني: لما قيل لهم قولوا لا إله إلا الله فهموا، فهموا معنى لا إله إلا الله، ولذلك هم يفهمون أكثر من الأشاعرة وأكثر من الماتُريدية وأكثر من الصوفية أعلم بتوحيد الرسل من هذه الطوائف المنتسبة إلى الإسلام؛ لأنه لما قيل لهم قولوا لا إله إلا الله ـ هم يقرون بأن الله تعالى خالق، بل هو الخالق وحده، ويُقرّون بأن الله تعالى هو الرّازق، بل هو الرّازق وحده ـ فلما قيل لهم قولوا لا إله إلا الله فهموا أن المراد أن يتبرؤوا من هذه المعبودات الباطلة، وأن يجعلوا العبادة كلها لله وحده لا شريك له، فقالوا: {أَجَعَلَ الْآلِهَةَ} [ص5] كل الألهة {إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ} [ص5] فدل على أنهم فهموا المراد من لا إله إلا الله، وأنه لا معبود حق إلا الله جل وعلا، وأما المتأخرون من المتكلمين ومن على شاكلتهم فهم يُحرفون عن مواضعه، فقالوا: لا إله إلا الله، يعني: لا خالق إلا الله، وهذا تحريف ولا يُعذر صاحبه بِ بالجهل ونحو ذلك، إذن هذه عقيدة المشركين اعتراف لله تعالى بالخلق والتدبير، وهذا كما قرره الإمام في القاعدة الأولى: الاعتراف بأن آلهتهم لا تخلق، ولا ترزق، ولا تنفع، ولا تضر، لماذا؟ لأن الله تعالى أثبت أنهم إذا قيل لهم من خلق السماوات والأرض؟ {لَيَقُولُنَّ اللَّهُ} [العنكبوت61] وأثبت لهم الإيمان جملة بهذه المفردات قال الله تعالى: {وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللهِ إِلاَّ وَهُم مُّشْرِكُونَ} [يوسف106] أثبت لهم الإيمان في الجملة، وهو الإيمان بتوحيد الربوبية، إذن هل هذه الآلهة التي صرفوا لها شيئًا من العبادة تخلق وترزق؟ نقول في عقيدتهم: لا، عقيدة المشركين أن هذه الآلهة التي صرفوا إليها شيئًا من العبادة لا تملك لنفسها ـ فضلًا عن غيرها ـ نفعًا ولا ضُرًا، وإنما اتخذوها وسائط عند الله تعالى في قضاء الحوائج فصرفوا لها من العبادات التي لا يستحقها إلا الله تعالى.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت