الصفحة 37 من 166

[اعْلَمْ أَرْشَدَكَ اللهُ لِطَاعَتِهِ] هذه دعوة بعد دعوة فيها تأكيد لما سبق [أَرْشَدَكَ] ارشَدَ هذا فعل ماض، (والكاف) في محل النصب مفعول به، والله فاعل، ولطاعته جار ومجرور متعلق بقوله أرشدك. [أَرْشَدَكَ اللهُ] أرشد قلنا فعل ماض مأخوذ من الرشاد، وهو ضد الغواية، الرشاد ضد الغواية، والرَشَدُ قال ابن القيم ـ رحمه الله تعالى ـ في مفتاح دار السعادة: هو الهدى والفلاح. [أَرْشَدَكَ اللهُ] يعني هداك وألهمك الهدى وألهمك الفلاح؛ لأنه كما قيل ليس في كلام العرب كلمة أجمع للخير من كلمة أفلح، {قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ} أثبت لهم أعلى درجات الخير وهو الفلاح، {إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ} هاه {الْكَافِرُونَ} نفى عنهم الخيرية مطلقًا، واضح؟ إذن الفلاح والهدى هو المراد بالرَشَد، وهو الذي يهدي إليه القرآن {إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يِهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ} فالهداية إنما تكون بالقرآن وما جاء في القرآن وما جاء على لسان رسوله - صلى الله عليه وسلم -، فالراشد ضد الغاوي، والمهدي ضد الضال، فـ [أَرْشَدَكَ اللهُ] أي هداك إلى الرشد ووفقك إليه ودلك عليه، هداك إلى الرشد يعني الله عز وجل، ووفقك ودلك إلى الهدى والفلاح، والرَشَدُ أيضًا هو الاستقامة على طريق الحق، الاستقامة {أُوْلَئِكَ هُمُ الرَّاشِدُونَ} أي المستقيمون على طريق الحق، قال ابن القيم ـ رحمه الله تعالى: فقد أجمع العلماء بالله على أن التوفيق ألا يكل الله العبد إلى نفسه، ولذلك قلنا: {إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يِهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ} فالهداية حاصلة بماذا؟ بالقرآن، هداية ماذا؟ هداية إرشاد ودلالة، ثم التوفيق من عند الله جل وعلا، وهو أن يشرح قلبك لما تضمنه القرآن من الأصول والفروع، أجمع العلماء بالله على أن التوفيق ألا يكل الله العبد إلى نفسه؛ لأن النفس أمارة بالسوء، والأصل في الإنسان هو الجهل والظلم، فإذا تُرك وشأنه ونفسه حينئذ لا يصدر عنه إلا كل ما يهلكه ويوقعه في الشقاء في الدنيا قبل قبل الآخرة، وأجمعوا كذلك على أن الخذلان وهو ضد لـ التوفيق أن يخلي بينه وبين نفسه، {إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا} ظلوم فعول يعني كثير الظلم، ليس ظالم فقط وليس يقع منه الظلم فحسب، وإنما المراد به أنه كثير الظلم، {إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا} يعني كثير الجهل، وهذا هو الأصل في في الإنسان، فإذا تُرك وشأنه ونفسه وهواه وما أوحاه إليه شيطانه من شياطين الإنس والجن حينئذ هلك وأهلك نفسه ومن أطاعه. وإن وفقه وهداه وشرح صدره للحق، ووفق وهداه إلى القرآن وإلى الأخذ بالسنة حينئذ نقول هذا قد وُفق وسعد في الدنيا قبل الآخرة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت