الصفحة 104 من 454

الخارجية بإجراء انتخابات في ألمانيا مقابل تحييدها عن المعسكرين، ولم تتم المفاوضات التي خطط لها في عام 1955 م بين ألمانيا الشرقية والغربية. كما تجاهلت إدارة كينيدي دعوة خور نشوف نحو خطوة متبادلة تجاه قراره الجريء بالحد من التسلح بين عامي 1961 م و 1963 م. بل إن دعوة جورباتشوف للحد من توترات الحرب الباردة تم تجاهلها، بل وأعتبرت دعوة مثيرة للمخاوف (45) .

كان تشرشل قد حدد الأسباب الرئيسية وراء تلك المواقف الغربية، فالتفاوض والتسوية يمكن أن يقوض سلطة الرجال الأغنياء والشعوب الغنية وهو ما سيؤدي إلى ظهور حركات شعبية غير مرغوب فيها تفسد المخططات والسياسات. وتعتبر حيادية الدول من بين هذه الأخطار، وتم سحقها بشكل مناسب تحت ذريعة الحرب الباردة. وفي هذا المضمون كانت الولايات المتحدة السنوات عديدة قادرة على فرض قرارها على نادي الأثرياء حسب المبادئ التي أرساها في مطلع السبعينيات، حين حدد أن هناك أعضاء صغارا في نادي الأغنياء بوسعهم السعي إلى مصالحهم الاقتصادية داخل الإطار العام للنظام الذي تقوده الولايات المتحدة القوة الوحيدة ذات المصالح والمسئوليات العالمية»، وكان السؤال كيف ستقبل أوربا واليابان بهذا الدور

أما الحقيقة القائلة بأن الأمن لم يكن عاملا أساسيا في صياغة السياسية فقد علق عليه الكثيرون. ففي دراسته الأكاديمية حول الاحتواء السياسي اتفق جون لويس جاديس مع رؤية جورج كينيان - والمعروفة بين صانعي السياسة والمحللين، بمن فيهم الرئيس إيزنهاور و غيره والتي ترى أنه «لم نكن قوة الروس العسكرية تهددنا، بل قوتهم السياسية» (أكتوبر 1947 م) ، وفي مراجعته الشاملة يخلص جاديس إلى أن «الأحتواء ليس بسبب ما فعله الروس، أو ما حدث في أي مكان أخر من العالم، بل جاء نتيجة قوى داخلية في الولايات المتحدة» .. أما المفاجأة فتكمن في أن الأولوية التي تناغمت مع الاعتبارات الاقتصادية (بالتحديد الإدارة الحكومية للاقتصاد) كانت هي المتحكمة في صياغة استراتيجيات الأحتواء مع استبعاد بقية الاعتبارات (التوكيد من قبل جاديس) . لكن جاديس - مثله مثل آخرين - اعتبر هذا النمط المتواصل مفاجأة لافتة وليس جوهرا متأصلا في السياسة الأمريكية. لكن المفاجأة ليست فيما اكتشفه جاديس، بل في صعوبة استيعاب نمط التحليل المنطقي الذي من المفترض أن يكون روتينيا في بقية قضايا النقاش، حتى حين نتعامل مع بقية الدول، وبصفة خاصة المعادية منها.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت