لا تخبرنا ملاحظات جاديس سوى بنصف الحكاية: أي الجانب المحلى، لكن يجب علينا إضافة البعد الأكثر بروزا في فرضيات الاستراتيجية الأمريكية التي يمكن «لصفوة رجال السياسة الخارجية» إدراكها في النهاية، لقد تهاوت ذرائع الحرب الباردة، وصارت المبادئ «اللينينية» تدعم النظام العالمى الاستراتيجية الولايات المتحدة، وهو نظام يتطلب ضرورة محافظة الولايات المتحدة على الحماية العسكرية في الأقاليم ذات الأهمية الاقتصادية الحيوية حتى تضمن الولايات المتحدة أن علاقاتها التجارية والمالية لن تتأثر بالاضطرابات السياسية في العالم
لم يعد الإطار النمطي قابلا للتصديق خاصة حينما نحلل منهوم «الأمن القومية بعمومية كافية، فالتفسير العام يجعلنا نراه مناظرا لأي تهديد خارج السيطرة، بناء على الافتراضات التي سقناها في مقدمة هذا الموضوع، فسينجم عن ذلك أن تشعر الولايات المتحدة أن أمنها القومي في خطر إذا ما سعت الدول الصغيرة في حوض البحر الكاريبي إلى السير في طريق مستقل بعيدا عن تأثير واشنطن، إلى الدرجة التي تلجأ معها الولايات المتحدة إلى إعادة جرينادا إلى حظيرتها بالقوة لتوضع في فاترينة عرض الرأسمالية» . حتى أن إدارة ريجان أعلنت عن ذلك متفاخرة بحجم «المساعداته التي كسرت «فاترينة العرض» وتركت جرينادا حطام سفينة غارقة تعاني تدهورا اقتصاديا بالغا إضافة إلى تفشي غسيل الأموال والتهرب من الضرائب وعمليات الاحتيال المالية (بحسب وول ستريت جورنال) ». لهذا فإننا إذا قصدنا ب «الأمن» وقوع تهديد من قبل أي مصدر خارج السيطرة في الموارد والأسواق فستكون المبادئ النمطية لسياسة الولايات المتحدة قابلة للتطبيق على النحو الذي يخدم مصالحها.
وعلى نقص قاعدة هذه الافتراضات بوسعنا تقييم المبررات الغربية لغزو روسيا في عام 1918 م وهي المبررات التي قدمها جاديس على نحو مؤثر كهدف دفاعي. كما أن غزوها جاء رد فعل على تدخل خطير محتمل من قبل الحكومة السوفيتية الجديدة في الشئون الداخلية ليس فقط للدول الغربية، بل في كل دول العالم تبعا لما ينتهجه السوفيت من «تحدي الثورة» ، وهو تحد سيهدد حياة النظام الرأسمالي بأسره. لقد اعتبر أمن الولايات المتحدة «مهددا بالخطر» في
عام 1917 م وليس فقط مع عام 1950 م، واعتبرت سياسة الغزو والتدخل في شئون الدول الأخرى أمرا ضامنا لا مفر منه من أجل مواجهة تغيير النظام