فهرس الكتاب
ولم يحتل الصراع بين الشرق والغرب سوى مكانة هامشية في زخم حوادث، الحرب الباردة، وإن لم يلتفت إلى ذلك كثيرون. لقد وظفت واشنطن أشكال القوة كافة ومختلف وسائل السيطرة على الشعوب، بما سمح بالتدخل في النظام الداخلية عبر دعم الأهداف الهجومية ودعم تأثير ردع القوة العسكرية. لقد بلغت الولايات المتحدة ماربها في الوصول إلى العمق العالمي وفي دعم أعمال العنف بما تخطى دورها كقوة عالمية ثانية؛ وفي ذات الوقت كان القمع الداخلي في الاتحاد السوفيني يفوق أي شيء ممائل داخل الولايات المتحدة، ومن المعتقد أن الاتحاد السوفيتي بدوره مارس تأثيرا كبيرا لردع الولايات المتحدة عن طموحاتها الإمبريالية، وإن كان الأرشيف السوفيتي لا يسعفنا بدلائل مقيدة لفهم ذلك على نحو کامل.
مرة أخرى، لو أن أحداث الحرب الباردة تشكل الحرب الباردة نفسها، أو حتى قطاعا مهما منها، فإن الصورة النمطية بعيدة جدا عن بلوغ غايتها.
ما قبل وما بعد
وإذا أتينا إلى السؤال الأخير: ما هي التغيرات التي حملتها الحرب الباردة في صياغة التوجهات السياسية؟ وكيف اختلفت أحداث الحرب الباردة عما سبقتها وما تلتها من حروب؟ يصعب طرح هذا السؤال بالنسبة للاتحاد السوفيتي بشكل جدي؛ نظرا لأن المجتمع قد تغير بشكل راديكالي في عام 1917 م ولأن الحرب الباردة قد انتهت. لكن بالنسبة للولايات المتحدة فإن السؤال ذو مغزي وجاقل بالمعلومات.
قبيل نشوب الثورة البلشفية، قام وودرو ويلسون بغزو المكسيك وهاييتي وجمهورية الدومينكان، وما زالت آثار ذالك واضحة على الدولتين الأخيرتين، ويشكل مميت في هاييتي. ويعود أحد أسباب ذلك إلى العنصرية التي اتسمت بها إدارة ويلسون وقواتها المسلحة، وهي إدارة خلقت من الألم ما لا يمحى من ذاكرة الدومنيك ومن المرارة ما يخزي في هابيتي، رغم تجاهلها أمريكيا أيضا. ويمكننا فهم ذلك بالعودة إلى ما عبر عنه روبرت لانسنج أحد كبار موظفي وزارة الخارجية الأمريكية بقوله:
يجيب بداية التمييز بين الشعب الدومينكي والشعب الهاييتي. فالأول، وإن كان بمقاييس مختلفة ليس شعبا متقدما ويعيدا بدرجة كبيرة عن إمكانية تشكيل