ومعاييرنا الحضارية المهيبة. وإذا أتينا إلى الالتزام الأخلاقي بالتدخل في الشئون الداخلية للدول نحت مبررات الأسباب الإنسانية - وهي قضية على درجة من الأهمية لن نجد كثيرين يتناولون حقيقة الصور المعكوسة للدور الأمريكي في العالم بطريقة نقدية، من حيث مكانة وأهمية هذا الدور ومرجعيته المؤسسية. فقليلون أولئك الذين أستحثوا إيران بأن تتدخل إنسانيا في البوسنة على الرغم من أنها عرضت استعدادها لذلك. لماذا؟ بسبب تاريخها وطبيعة مؤسساتها. ففي حالة إيران - أو أي دولة أخرى- فإن استطلاع رأي الشعب أمر ضروري. لكن في الحالة الأمريكية فإن مراجعة السجل التاريخي تظهر لنا دورا «سيئا وذميما لسياسة واشنطن الخارجية، الشيطانية على مدى التاريخه. غير أن هذه كلها أمور «يسهل تجاهلها» على حد التعبير الساخر لتوماس ويسه المتخصص في العلاقات الدولية، وهو تعليق مميز ويعكس بفطنة المبادئ الأكثر تقديرا في الثقافة الرسمية الأمريكية.
واليوم، فإن محركات السياسة الأمريكية هي برمتها محفزات إنسانية، على حد قول المؤرخ ديفيد فرو مکين. لكن الخطر الحالي قد تجاوز البعد الإنساني أو الخيري في تلك المحفزات، فقد فشلنا في الوصول إلى فهم لا أناني للبعد الإنسائي للرحمة، كما فشلنا في إدراك الحدود التي يجب أن نقف عندها حين نشرع بالتدخل في شئون الآخرين، وإن الجيوش التي نرسلها إلى أراضي الغير تحت دعاوي إنسانية ليس بوسعها بالضرورة حماية الناس من أعدائهم أو من أنفسهم، ويشاركنا في هذه الرؤية القائد السياسي جورج كينان - وهو ناقد لاذع السياسات الحرب الباردة - الذي يرى أن الولايات المتحدة ارتكبت خطأ تاريخيا حين تجاهلت ولمدة أربعين سنة سبل التفاوض حول إقرار السلام وحل النزاعات مع الروس. ولعل إحدى فوائد انتهاء الحرب الباردة أن مثل هذه القضايا يمكن
طرحها الأن على طاولة المناقشات. كما جدد كينان أيضا النصيحة التقليدية بضرورة الحد من اشتباكاتنا الخارجية وأن ندرك أن دولة مثلنا «تستنفد طاقتها خارج الحدود» وهو ما قد يشجع دولا أخرى على تبني مناهج أكثر وضاعة في سياستها الخارجية، ويجب علينا أن نضع في الاعتبار أيضا أن هناك حدودا
لا يمكن لدولة من الدول أن تتجاوزها حين تقدم مساعدة لدولة أخرى، حتى لو ادعت هذه الدولة أنها الأكثر عفة بين الدول. كما يجب أن نكف عن شغل أنفسنا بقضية أنه من الظلم أن نحرم الإنسانية المعذبة من اهتمامنا وكرمنا السخي.""