الخائفون والمتشككون في الشعب والراغبون في سحب كل السلطة منه ومدها إلى الطبقات العليا»، أما الديمقراطيون فهم على النقيض «معروفون للجماهير وموثوق فيهم ومتعاطف معهم؛ لأنهم الطرف الأمين والأمن، رغم أنهم ليسوا الطرف الذي بحوزته الحكمة الكبرى لمصلحة الجماهير» . والأرستقراطيون هم المدافعون عن صعود دولة الرأسمالية التي ينظر إليها جيفرسون بازدراء يسبب تناقضها مع الديمقراطية (سواء في دولة النموذج الغربي الموجهة من قبل الحكومة أو في غيرها من النماذج) ، وبصفة خاصة لأنها ذات بنية تجارية جديدة (كالمؤسسات البنكية والشركات المالية الكبري) تزيد من تركيز السلطة عبر وسائل قانونية، وعلى هذا فإن الأرستقراطيين هم التقدميون المعاصرون الذين يسعون إلى وضع الشعب في مكانه ويتسمون بالتحرر من المعتقدات الدعائية للديمقراطية التي تروج لقدرة «الفضوليين الخارجيين الجهلة» على دخول الحلبة السياسية، وهؤلاء الأرستقراطيون هم ديمقراطيون فقط حين تقارنهم ببقية الأطياف المتنافسة. لقد كان ما يخشاه جيفرسون أكبر مما حملته الرؤية الحديثة عن تحليل الأطياف السياسية المرتبطة بالسلطة و ممارستها.
لم يكن ما يخشاه بالطبع هو انهيار المثل الديمقراطية كلية، بل تهميشها، لي الرغم من أنها بقيت حية في الحركات الشعبية وصيغت من قبل بعض المثقفين، وفي مقدمتهم جون ديوي الفيلسوف الأمريكي البارز في القرن العشرين، فقد أدرك ديوي في سنواته الأخيرة أن السياسة في ظل المال الذي يخيم على المجتمعه ومادام سيبقى هذا على حاله فإن تخفيف الظل بن يغير كثيرا من طبيعة الحالة التي يعيشها المجتمع، فالإصلاحات ذات فائدة محدودة، والديمقراطية تتطلب أن يزاح مصدر الظل الثقيل، وليس فقط تخفيف حدته، لا لأن هذا الظل مهيمن فقط على الحلبة السياسية، بل أيضا لأن مؤسسات السلطة الخاصة تقوض من الديمقراطية والحرية. فالسلطة اليوم «تتماهى في وسائل الإنتاج، وفي التبادل التجاري ووسائل الاتصالات والمواصلات، ومن يملك هذه الوسائل يتحكم في حياة الدولة حتى لو بقيت الأشكال الديمقراطية؛ وذلك لأن الأنشطة الاقتصادية ذات هدف ربحي خاص بحقق مراميه عبر السيطرة الخاصة على البنوك والأراضي ويعزز مصالحه بالسيطرة على الصحف ووكالات الأنباء وغيرها من وسائل الدعاية الجماهيرية، ولعل هذا هو نظام السلطة الحقيقي وهو مصدر القهر والسيطرة وإلى أن يتم تفكيك هذا النظام، فإنه لا يمكننا التحدث بشكل جاد عن الديمقراطية والحرية، وفي المجتمعات الديمقراطية والحرة يجب أن يقرر العمال مصيرهم