الصفحة 32 من 454

الاقتصاد الدولي، أن القيادة الجمعية في حرب الخليج تعني أن الولايات المتحدة تتزعم، وأنها أيضا تجمع وتحشد تمويلا ماليا ضخما لعمليات عسكرية هامشية التكلفة، ومن ثم تخرج من هذا النزاع وقد حققت أرباحا وافرة، ناهيك عن الصفقات المريحة التي اقتنصتها واشنطن تحت شعار إعادة إعمار ما دمرته بنفسها من قبل، وترويج صفقات التسليح الضخمة، وغيرها من أشكال الغنائم التي يجنيها المنتصرون. (1)

نعود الآن إلى لجنة الجنوب، فبعيد ما نادت به هذه اللجنة من نظام عالمي جديده يقوم على العدل والمساواة والديمقراطية، استخدم جورج بوش (الأب) التعبير السابق كقناع بلاغي لحربه في الخليج. فبينما كانت القذائف تمطر سماء بغداد والبصرة، وعلى رءوس الجنود الإلزاميين المختبئين في حفر بائسة في صحراء جنوب العراق، أعلن الرئيس بوش أن الولايات المتحدة ستقود «نظاما عالميا جديدا، تتوحد فيه مختلف الأمم على مبدأ مشترك يهدف إلى تحقيق طموح عالمى لمصلحة البشرية، عماده السلام، وأركانه الحرية وسيادة القانون» ، وكما أعلن وزير الخارجية جيمس بيکر بافتخار فإننا ندخل مرحلة واعدة في التاريخ، وإنها للحظة نادرة من لحظات التحول في مصير العالم»،

وقد تم توسيع هذه الفكرة من قبل توماس فريدمان - كبير مراسلي الشئون السياسية في صحيفة نيويورك تايمز - فيحسب فريدمان فإن الموجه الرئيسي السياسة بوش في حرب الخليج ينبع من أنه «إذا لم تحترم الحدود السياسية بين الدول ذات السيادة فإن الفوضي ستحكم العالم» ، وحين نفكر في الأمر فقد تعتقد أن الفكرة تتعلق بدول مثل بنما أو لبنان أو نيكاراجوا وجرينادا، لكن فريدمان يوضح الأمر بأنه أعمق من هذا حين يقول: «إن نصر أمريكا في الحرب الباردة كان نصرا لمجموعة من المبادئ السياسية والاقتصادية تقوم على الديمقراطية وحرية السوق» . وفي النهاية سيفهم العالم أن «السوق الحر هو المستقبل، ذلك المستقبل الذي تمثل فيه أمريكا صمام الأمان والنموذج الذي يحتذى» . (10)

وهكذا تنكرر المفاهيم في عدد لا يحصى من المؤسسات الأيديولوجية - كالمراكز الإعلامية والأكاديمية والمجتمع الثقافي بعمومه- حيث يتم ترديد المفاهيم ذاتها مع إطراء شديد للذات دون أن يخرج صوت واحد يعارض ما يقال أو يدعو إلى التحقق من السجل الفعلى لتوظيف الولايات المتحدة لمبادي الديمقراطية وحرية السوق.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت