ومن وجوه الإعلال: أن هذا الحديث يتنافى مع ميقات ذات عرق، وذلك أن العقيق أبعد من ذات عرق، ولو وقت النبي صلى الله عليه وسلم ذلك ما كان لعمر أن يوقت ذات عرق، ومعلوم أن المواقيت تتباين من جهة المسافة، فالمدينة أبعدها بعيد، أكثر من أربعمائة كيلو، وهناك ممن يبعد عن مكة قرابة السبعين. إذًا: المسألة ليست بتحديد الإنسان باجتهاده، وإنما المسألة توقيفية، فإذا وقت النبي عليه الصلاة والسلام لأهل جهة فحذو ذلك هو أن ينظر في حذو العقيق، لا أن يوقت ميقات دونه، وهذا يدل على أن هذا الحديث في رفعه نكارة، وأن عمر بن الخطاب عليه رضوان الله تعالى في مخالفته لمعنى هذا الحديث دليل على أنه لم يكن توقيت أصلًا من رسول الله صلى الله عليه وسلم، وإن كان جاء خبر عند الطبراني من حديث أنس بن مالك في التفريق بين العقيق وذات عرق، أن العراق متسع، هذا لناحية، وهذا للمدائن، وذاك للبصرة وما نحوها، إلا أن هذا الحديث مطروح أيضًا، وما جاء في توقيت ذات عرق عن النبي عليه الصلاة والسلام أحاديث أخر معلولة، جاء من حديث أنس بن مالك، وجاء من حديث الحارث بن عمرو السهمي، وجاء من مرسل عطاء، وكلها لا يحتج بها. يقول ابن المنذر رحمه الله: لا يثبت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في ذات عرق حديث، وكذلك قال ابن خزيمة رحمه الله كما في كتابه الصحيح: لا يصح في ذلك عن النبي صلى الله عليه وسلم شيء، وهذا الذي مال إليه غير واحد من الأئمة، كالشافعي، و أحمد، وغيرهم، فإن الشافعي أورد من حديث طاوس بن كيسان في كتابه الأم، أن الذي وقت عمر ثم قال: ولا أحسبه إلا كما قال طاوس، يعني: أنه ليس من فعل النبي عليه الصلاة والسلام، وإنما من فعل عمر بن الخطاب عليه رضوان الله تعالى.
الحديث السادس: حديث زيد بن ثابت عليه رضوان الله أنه قال: (تجرد رسول الله صلى الله عليه وسلم لإهلاله فاغتسل) .