ومن الأسباب الموصلة إلى صلة الرحم تعلم الأنساب، أي: أن يعرف الإنسان النسب, فإن كان له خالة يعرف زوجها ومن هم أبناؤه, ويجهل كثير من الناس النسب خاصة في أبواب النساء باعتبار أن الناس ينسبون إلى آبائهم, فربما يجهل الإنسان أن ذلك ابن خالة له أو ابن عمة له ونحو ذلك، وهو من ذوي الأرحام، وقد جاء عن عمر بن الخطاب عليه رضوان الله تعالى كما رواه المروزي وغيره من حديث محمد بن جبير بن مطعمعن أبيه عن عمر قال: (تعلموا أنسابكم ثم تصلوا أرحامكم, وإن الرجل ليقع بينه وبين الرجل شيء, ولو علم ما بينه وبينه من الرحم لأمسك عنه) ، وهذا فيه إشارة إلى أن أعظم ما يكبح الإنسان عن الأذى والإحسان إلى الناس هو مسألة صلة الرحم ومعرفة النسب؛ لأن هذا وازع طبعي في الإنسان غرس فيه.
وقد أمر الله جل وعلا الناس بالإحسان إلى الغير والإحسان إلى ذوي القربى ولو كانوا كفارًا, وهذا الدليل على أهمية هذا الأمر مع كون الشارع الحكيم قد جعل في مسألة الكفر والإيمان عداء, ولكنه ليس بتام إلا في بعض الجوانب من المودة والرحمة بين الزوجين في حال زواج الرجل من كتابية ونحو ذلك, وكذلك للرجل قرابة ولو كانوا كفارًا, يجب عليه أن يصلهم كما جاء ذلك عن غير واحد من السلف، وقد روى المروزي في كتابه البر والصلة من حديث جامع بن أبي راشد عن ميمون بن مهران قال: (ثلاث تؤدى إلى البر والفاجر: الرحم توصل برة كانت أو فاجرة، والأمانة تؤدى إلى البر والفاجر، والعهد يوفى للبر والفاجر) ، وإذا كان من أهل وجوب الجمعة فيجب عليه أن يقوم ببدنه أو يشتري دابة لإيصاله لصلاة الجمعة، فإنه يجب عليه أن يصل رحمه, وهذا قد حرص عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم، فكان يصل أرحامه ويحسن إليهم إحسانًا بالغًا في هذا, وقد جاء في ذلك جملة من الأخبار.
وأعظم أنواع القطيعة التي تحدث بين الأرحام هي الخصومة لدى السلاطين في المحاكم وغيرها، إذا قلنا: إن الإنسان في أعلى مراتب الصلة هو أن يبذل الإحسان ويكف الإساءة, وهذا هو أعلى المراتب, وإذا قلنا: إن الإنسان إذا بذل إساءته وأمسك إحسانه هو أدنى مراتب الإساءة إلى ذوي الأرحام, فإذا كان بذله للإساءة كان هذا من قطيعة الرحم, فالمخاصمة بين ذوي الأرحام في مجالس القضاء وعند السلاطين ونحو ذلك فإن هذا من أعظم القطيعة.
يقول الحسن البصري كما رواه المروزي وغيره: أعظم القطيعة للوالدين أن يجازي الرجل أبويه عند السلطان خصومة, يعني: أن يجلس مع أبويه عند القاضي يتخاصم على مال، أو يتخاصم على حظ من حظوظ الدنيا من أمور الجاه ونحو ذلك، وهذه إن وجدت في الناس أو وجدت في مجتمع أو في بيئة أو في عائلة أو في أسرة فإن هذا من علامات الحرمان وعلامات البعد عن الله جل وعلا, فيجب على الإنسان أن يحرص على الأخذ بالأسباب بالاجتناب عن الدنيا ونحو ذلك.